ووراء هذا قراءة مُشْكِلَة ، رَوَوْها عن عُبَيْد بن عُمَير ، وهي: لِمَ تَلْبسُوا الحق بالباطل وَتَكْتُمُوا بحذف النون من الفعلين - وهي قراءة قراءة لا تَبْعد عن [ لَغطِ البحث ] ، كأنه توهم أن"لَمْ"هي الجازمة ، فجزم بها ، وقد نقل المفسّرونَ عن بعض النُّحَاةِ - هنا - أنهم يجزمون بلم حملاً على"لم"- نقل ذلك السجاونديُّ وغيره عنهم ، ولا أظن نحويّاً يقول ذلك ألبتة ، كيف يقولون في جار ومجرور: إنه يَجْزِم ؟ هذا ما لا يُتفَوَّهُ به ألبتة ولا نطيق سماعه ، فإن ثبتت هذه القراءةُ ولا بد فلتكن مما حُذِف فيه نونُ الرفع تخفيفاً ؛ حيث لا مقتضى لحَذْفها ، ومن ذلك قراءة بعضهم:
{ قَالُواْ سِحْرَانِ تَظَاهَرَا } [ القصص: 48 ] - بتشديد الظاء - الأصل: تتظاهران ، فأدغم الثاني في الظاء ، وحذف النون تخفيفاً ، وفي الحديث:"والذي نفسي بيده لا تدخلوا الجنة حتّى تؤمنوا ، ولا تؤمنوا حتى تحابّوا.."يريد - عليه السلامُ-: لا تدخلون ، ولا تؤمنون ؛ لاستحالة النهي معنًى.
وقال الشاعرُ: [ الرجز ]
أبِيتُ أسْرِي ، وَتَبِيتِي تَدْلُكِي... وَجْهَكِ بالْعَنْبَر وَالْمِسْكِ الذَّكِي
يريد تبيتين وتدلُكين.
ومثله قول أبي طالب: [ الطويل ]
فَإنْ يَكُ قَوْمٌ سَرَّهُمْ مَا صَنَعْتُمُ... سَتَحْتَلِبُوهَا لاَقِحاً غَيْرَ بَاهِلِ
يريد: ستحتلبونها.
ولا يجوز أن يُتَوهَّم - في هذا البيت - أن يكون حذف النون لأجل جواب الشرط ، لأن الفاء مُرادَة وجوباً ؛ لعدم صلاحية"ستحتلبوها"جواباً ؛ لاقترانه بحرف التنفيس.
والمراد بالحق: الآيات الدالة على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم في التوراة.