والشيء قد يشبه بالشيء وإن كان بينهما فرق كبير بعد أن يجتمعا في وصف واحد ؛ فإن آدم خُلِقَ من تراب ولم يُخلق عيسى من تراب فكان بينهما فرق من هذه الجهة ، ولكن شبه ما بينهما أنهما خلقهما من غير أبٍ ؛ ولأن أصلِ خلقتهما كان من تراب لأنّ آدم لم يخلق من نفس التراب ، ولكنه جعل التراب طينًا ثم جعله صلصالًا ثم خلقه منه ، فكذلك عيسى حوّله من حال إلى حال ، ثم جعله بشرًا من غير أبٍ. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 4 صـ 102 ـ 103}
قال ابن عادل:
{ إِنَّ مَثَلَ عيسى } جملة مستأنفة لا تعلُّق لها بما قبلها تعلقًا صناعيًا ، بل معنويًّا. وزعم بَعْضهُمْ أنها جواب القسم ، وذلك القسم هو قوله: { والذكر الحكيم } كأنه قيل: أقسم بالذكر الحكيم أنَّ مثل عيسى ، فَيَكُونُ الْكَلاَمُ قد تم عند قوله: { مِنَ الآيَاتِ } ثم استأنف قسمًا ، فالواو حَرْف جَرٍّ ، لا عطف وهذا بَعِيدٌ ، أو مُمْتَنعٌ ؛ إذ فيه تفكيكٌ لنَظْم القرآنِ ، وإذْهاب لرونقه وفصاحته.
قوله: { خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ } في هذه الجملة وَجْهَانِ:
أظهرهما: أنها مفسِّرة لوجه الشبه بين المثلين ، فلا مَحَلَّ لَهَا حينئذٍ مِنَ الإعْرَابِ.
الثاني: أنها في محل نصب على الحال من آدَمَ عليه السلام و"قد"معه مضمرة ، والعامل فيها معنى التشبيه والهاء في طخَلَقَهُ"عائدة على"آدم"ولا تعود على"عِيْسَى"لِفَسَادِ المعنى."
وقال ابن عطية:"ولا يجوز أن تكون خَلَقَه [ صفة ] لآدم ولا حالًا منه".
قال الزّجّاج: إذ الماضي لا يكون حالًا أنت فيهان بل هو كلامٌ مَقْطُوعٌ منه مَضمَّن تفسير الْمَثَلِ ، كما يقال في الكَلامِ: مثلك مثل زيد ، يشبه في امر من الأمور ، ثم يخبر بقصة زيد ، فيقول: فعل كذا وكذا.
قال أبو حيّان:"وَفيهِ نَظرٌ"ولم يُبَيِّنُ وَجْهَ النظر.