وقوله تعالى: { إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ العلم } زيادة أخرى فإن الاختلاف بعد مجيء العلم أزيد في القباحة والاستثناء مفرغ من أعم الأحوال أو أعم الأوقات ، والمراد من مجيء العلم التمكن منه لسطوع براهينه ، أو المراد منه حصول العلم بحقيقة الأمر لهم بالفعل ولم يقل علموا مع أنه أخصر إشارة إلى أنه علم بسبب الوحي ، وقوله سبحانه: { بَغْيًا بَيْنَهُمْ } زيادة تشنيع ، والاسم المنصوب مفعول له لما دل عليه { مَا } و { إِلا } من ثبوت الاختلاف بعد مجيء العلم كما تقول ما ضربت إلا ابني تأديبًا ، فلا دلالة للكلام على حصر الباعث ، وادعاه بعضهم أي إن الباعث لهم على الاختلاف هو البغي والحسد لا الشبهة وخفاء الأمر ، ولعل انفهام ذلك من المقام أو من الكلام بناءًا على جواز تعدد الاستثناء المفرغ أي ما اختلفوا في وقت لغرض إلا بعد العلم لغرض البغي كما تقول: ما ضرب إلا زيد عمرًا أي ما ضرب أحدًا إلا زيد عمرًا. أ هـ {روح المعانى حـ 3 صـ 107}
وقال ابن عاشور:
{وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ}
عطف {وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ} على قوله {إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْأِسْلامُ} للإخبار عن حال أهل الكتاب من سوء تلقيهم لدين الإسلام ، ومن سوء فهمهم في دينهم.
وجيء في هذا الإخبار بطريقة مؤذنة بورود سؤال ؛ إذ قد جيء بصيغة الحصر: لبيان سبب اختلافهم ، وكأن اختلافهم أمر معلوم للسامع. وهذا أسلوب عجيب في الإخبار عن حالهم إخبارا يتضمن بيان سببه ، وإبطال ما يتراءى من الأسباب غير ذلك ، مع إظهار المقابلة بين حال الدين الذي هم عليه يومئذ من الاختلاف ، وبين سلامة الإسلام من ذلك.