وكان التباعد بين الجماعات في المواطن مع مشقة التواصل ، وما يعرض في ذلك من الأخطار والمتاعب ، حائلا عن أن يصادفهم ما يوجب اقتباس الأمم بعضها عن بعض وشعور بعضها بأخلاق بعض ، فصار الصارف عن التعاون في الحضارة الفكرية مجموع حائلين: عدم الداعي ، وانسداد وسائل الصدفة ، اللهم إلا ما يعرض من وفادة وافد ، أو اختلاط في نجعة أو موسم ، على أن ذلك إن حصل فسرعان ما يطرأ عليه النسيان ، فيصبح في خبر كان.
فكيف يرجى من أقوام ، هذه حالهم ، أن يدعوهم الداعي إلى صلاح في أوسع من دوائر مدركاتهم ، ومتقارب تصور عقولهم ، أليسوا إذا جاءهم مصلح كذلك لبسوا له جلد النمر ، فأحسن من سوء الطاعة حرق الجمر ، لذلك لم تتعلق حكمة الله تعالى ، في قديم العصور ، بتشريع شريعة جامعة صالحة لجميع البشر ، بل كانت الشرائع تأتي إلى أقوام معينين ؛ وفي حديث مسلم ، في صفة عرض الأمم للحساب أن رسول الله قال:"فيجيء النبي ومعه الرهط ، والنبي ومعه الرجل والرجلان ، والنبي وليس معه أحد"وفي رواية البخاري"فجعل النبي والنبيان يمرون معهم الرهط"الحديث. وبقي الحق في خلال ذلك مشاعا بين الأمم ، ففي كل أمة تجد سدادا وأفنا ، وبعض الحق لم يزل مخبوءا لم يسفر عنه البيان.
ثم أخذ البشر يتعارفون بسبب الفتوح والهجرة ، وتقاتلت الأمم المتقاربة المنازل ، فحصل للأمم حظ من الحضارة ، وتقاربت العوائد ، وتوسعت معلوماتهم ، وحضارتهم ، فكانت من الشرائع الإلهية: شريعة إبراهيم عليه السلام ، ومن غيرها شريعة حمورابي في العراق ، وشريعة البراهمة ، وشريعة المصريين ، التي ذكرها الله تعالى في قوله {مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ} [يوسف: 76] .
ثم أعقبتها شريعة إلهية كبرى وهي شريعة موسى عليه السلام التي اختلط أهلها بأمم كثيرة في مسيرهم في التيه وما بعده ، وجاورتها أو أعقبتها شرائع مثل شريعة زرادشت في الفرس ، وشريعة كنفشيوس في الصين ، وشريعة سولون في اليونان.