فهرس الكتاب

الصفحة 4789 من 12199

فبذلك يتحقق الصبر بحبس النفس عما زين للناس من التمولات من الدنيا الزائدة على الكفاف التي هي حظ من لا خلاق له في الآخرة ، ولذلك يحق أن تكون هذه الكلمات معربة بالنصب مدحًا ، لأن الصفات المتبعة للمدح حليتها النصب في لسان العرب ، وإنما يتبع في الإعراب ما كان لرفع لبس أو تخصيص - انتهى.

ولما كان سن التقوى فوق سن الإيمان عطف أمداحهم كلها بالواو إيذانًا بكمالهم في كل وصف منها وتمكنهم فيءه بخلاف ما في آية براءة على ما سيأتي إن شاء الله تعالى فقال: {والصادقين} قال الحرالي: في عطف الصفات ما يؤذن بكمال الوصف لأن العرب تعطفها إذا كملت وتتبع بعضها بعضًا إذا تركبت والتأمت ، يعني مثل: الرمان حلو حامض - إذا كان غير صادق الحلاوة ولا الحموضة ، ففي العطف إشعار بكمال صبرهم عن العاجلة على ما عينه حكم النظم ، في الآية السابقة ، ومن شأن الصابر عن الدنيا الصدق ، لأن أكثر المداهنة والمراءاة إنما ألجأ إليها التسبب إلى كسب الدنيا ، فإذا رغب عنها لم يحمله على ترك الصدق حامل قيتحقق به فيصدق في جميع أموره والصدق مطابقة أقواله وأفعاله لباطن حاله في نفسه وعرفان قلبه - انتهى {والقانتين} أي المخلصين لله في جميع أمورهم الدائمين عليه.

ولما ذكر سبحانه وتعالى العمل الحامل عليه خوف الحق ورجاؤه أتبعه ما الحامل عليه ذلك مع الشفقة على الخلق ، لأن من أكرم المنتمي إليك فقد بالغ في إكرامك فقال: {والمنفقين} أي ما رزقهم الله سبحانه وتعالى في كل ما يرضيه ، فإنه لا قوام لشيء من الطاعات إلا بالنفقة.

قال الحرالي: فيه إشعار بأن من صبر نوّل ، ومن صدق أعلى ، ومن قنت جل وعظم قدره ، فنوله الله ما يكون له منفقًا ، والمنفق أعلى حالًا من المزكي ، لأن المزكي يخرج ما وجب عليه فرضًا ، والمنفق يجود بما في يده فضلًا - انتهى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت