فهرس الكتاب

الصفحة 422 من 12199

رجل أحب البقاء في الدنيا لاغتنام لَذَّاته ونيل شهواته ، قد طرح أخراه ، وأكبَّ على دنياه ، واتخذ إلهه هواه ، فأصمه ذلك وأعماه ، إن ذُكر له الموت فرّ عنه وشرد ، وإن وعِظَ أنِف وعَنَدَ ، عمره ينقص ، وحرصه يزيد ، وجسمه يبلى ، وأمله جديد ، وحتفه قريب ، ومطلبه بعيد ، فهذا إن لم تكن له عناية أزلية ، وسابقة أولية فيمسك عليه الإيمان ، ويختم له بالإسلام ، وإلا فقد هلك.

ورجل قد أزيل عن عينه قذاها ، وأبصر نفسه وهواها ، وزجرها ونهاها ، قد شمر ليتلافى ما فات ، ونظر فيما هو آت ، وتأهب لحلول الممات ، والانتقال إلى محلة الأموات ، ومع هذا فإنه يكره الموت أن يشاهد وقائعه ، أو يرى طلائعه ، وليس يكره الموت لذاته ، ولا لأنه هَادِمْ لَذَّاتِهِ ، لكنه يخاف أن يقطعه عن الاستعداد ليوم المعاد ، ويكره أن تطوى صحيفةِ عَمَلِهِ قبل بلوغ أمله ، وأن يبادر بأجله قبل صلاح خلله ، فهو يريد البقاء في هذه الدار لقضاء هذه الأوطار ، فهذا ما أفضل حياته: وأطيب مماته! لا يدخل تحت قوله صلى الله عليه وسلم:"مَنْ كَرِهَ لِقَاءَ اللّهِ كره اللّهُ لِقَاءَه".

ورجل آخر قد عرف الله تعالى بأسمائه الحسنى ، وصفاته العليا ، وشهد ما شهد من كمال الربوبية ، وجمال حضرة الألوهية ، فملأت عينه وقلبه ، وأطاشت عقله ولبّه ، فهو يحن إلى ذلك المشهد ، ويستعجل إنجاز ذلك الموعد ، قد علم أن الحياة الدنيوية حجابٌ بينه وبين محبوبة ، وسترٌ مُسدل بينه وبين مطلوبه ، فهذا من المحبين العشاق ، قد حنّ إلى الوصال والتلاق ، أحب لقاء الله فأحب الله لقاءه ، فما أحسن حياته ولقاءه!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت