تعليل واستدلال على مضمون جملة والله بما تعملون عليم لِّلَّهِ وعلى ما تقدم آنفًا من نحو: { الله بكل شيء عليم } [ آل عمران: 176 ] { واللَّه بما تعملون عليم} {واللَّه بما تعملون بصير } [ الممتحنة: 30 ] { واللَّه بما تعملون خبير } [ البقرة: 234 ] فإذا كان ذلك تعريضًا بالوعد والوعيد ، فقد جاء هذا الكلام تصريحًا واستدلالًا عليه ، فجملة { وإن تبدوا ما في أنفسكم } إلى آخرها هي محطُّ التصريح ، وهي المقصود بالكلام ، وهي معطوفة على جملة { ولا تكتموا الشهادة إلى والله بما تعملون عليم } [ البقرة: 283 ] وجملةُ { لله ما في السموات وما في الأرض } هي موقع الاستدلال ، وهي اعتراض بين الجملتين المتعاطفتين ، أو علة لجملة { والله بما تعملون عليم } باعتبار إرادة الوعيد والوعد ، فالمعنى: إنّكم عبيده فلا يفوته عملَكُم والجزاء عليه.
وعلى هذا الوجه تكون جملة"وإن تبدوا ما في أنفسكم"معطوفة على جملة { لله ما في السموات وما في الأرض } عطف جملة على جملة ، والمعنى: إنكم عبيدُه ، وهو محاسبكم ، ونظيرُها في المعنى قوله تعالى: { وأسِرُّوا قولكم أو اجهروا به إنه عليم بذات الصدور ألا يعلم من خلق } [ الملك: 13 ، 14 ] ولا يخالف بينهما إلاّ أسلوب نظم الكلام.
ومعنى الاستدلال هنا: أنّ الناس قد علموا أنّ الله ربّ السموات والأرض ، وخالق الخلق ، فإذا كان في السموات والأرض لِلَّه ، مخلوقًا له ، لزم أن يكون جميع ذلك معلومًا له لأنَّه مكوِّن ضمائرِهم وخواطرهم ، وعموم علمه تعالى بأحوال مخلوقاته من تمام معنى الخالقية والربوبية ؛ لأنّه لو خفي عليه شيء لكان العبد في حالة اختفاء حاله عن علم الله مستقلًا عن خالقه.
ومالكيةُ الله تعالى أتَمّ أنواع الملك على الحَقيقة كسائر الصفات الثابتة لله تعالى ، فهي الصفات على الحقيقة من الوجود الواجب إلى ما اقتضاه وجوبُ الوجود من صفات الكمال.