فهرس الكتاب

الصفحة 4146 من 12199

"وقال كعب: يا رسول الله ، إن من توبتي أن أنخلع من مالي صدقةً إلى الله وإلى رسوله."

فقال:"أمسِك عليك بعض مالك فهو خير لك""قال الجوزِيّ: هذه الأحاديث مُخرّجة في الصحاح ، وهي على خلاف ما تعتقده المتصوّفة من أن إكثار المال حجاب وعقوبة ، وأن حبسه ينافي التوَكّل ، ولا ينكر أنه يخاف من فتنته ، وأن خلقًا كثيرًا اجتنبوه لخوف ذلك ، وأن جمعه من وجهه ليعزّ ، وأن سلامة القلب من الإفتتان به تَقل ، واشتغال القلب مع وجوده بذكر الآخرة يندر ؛ فلهذا خيف فتنته."

فأما كسب المال فإن من اقتصر على كسب البُلْغَة من حلها فذلك أمر لا بدّ منه ، وأما من قصد جمعه والاستكثار منه من الحلال نُظِر في مقصوده ؛ فإن قصد نفس المفاخرة والمباهاة فبئس المقصود ، وإن قصد إعفاف نفسه وعائلته ، وادّخر لحوادث زمانه وزمانهم ، وقصد التوسعة على الإخوان وإغناء الفقراء وفعل المصالح أُثِيب على قصده ، وكان جمعه بهذه النية أفضل من كثير من الطاعات.

وقد كانت نيات خلق كثير من الصحابة في جمع المال سليمةً لحسن مقاصدهم بجمعه ؛ فحرصوا عليه وسألوا زيادته.

"ولما أقطع النبيّ صلى الله عليه وسلم الزّبِير حُضْر فرسه أجرى الفرس حتى قام ثم رمي سوطه ، فقال:"أعطوه حيث بلغ سوطه""وكان سعد بن عبادة يقول في دعائه: اللَّهُمَّ وسع عليّ.

وقال إخوة يوسف: { وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيرٍ } [ يوسف: 65 ] .

وقال شعيب لموسى: { فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِندِكَ } [ القصص: 27 ] .

وإن أيّوبَ لما عوفِي نُثِرَ عليه رِجْلٌ من جَراد مِن ذهب ؛ فأخذ يَحْثِي في ثوبه ويستكثر منه ، فقيل له: أما شَبِعْتَ ؟ فقال: يا رب فقير يشبع من فضلك ؟ وهذا أمر مَرْكُوز في الطباع.

وأما كلام المحاسبي فخطأ يدل على الجهل بالعلم (1) ، وما ذكره من حديث كَعْب وأبي ذَرّ فمحال ، من وضع الجهّال وخفيت عدم صحته عنه للُحُوقه بالقوم.

(1) هذا الكلام يبدو فيه التحامل جليا والاتهمام بالجهل لرجل كالمحاسبى ـ عليه رحمة الله ـ محل نظر

وكان الأولى والأوفق بالقرطبى عليه رحمة الله أن يقول في مثل هذا الموضع: اجتهد فأخطأ ، والله تعالى أثاب المجتهد في كلا الحالين فإن أصاب فله أجران وإن أخطأ فله أجر. والله أعلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت