فهرس الكتاب

الصفحة 2913 من 12199

وقد كَرِه قوم الفِرار من الوَبَاء والأرض السقيمة ؛ رُوي عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: الفِرار من الوباء كالفرار من الزَّحْف. وقصة عمر في خروجه إلى الشام مع أبي عبيدة معروفة ، وفيها: أنه رجع. وقال الطبريّ: في حديث سعد دلالةٌ على أن على المرء توقِّي المكاره قبل نزولها ، وتجنُّب الأشياء المخوفة قبل هجومها ، وأن عليه الصبر وترك الجزع بعد نزولها ؛ وذلك أنه عليه السلام نَهى مَن لم يكن في أرض الوَبَاء عن دخولها إذا وقع فيها ، ونَهى مَن هو فيها عن الخروج منها بعد وقوعه فيها فرارًا منه ؛ فكذلك الواجب أن يكون حكم كل مُتّق من الأُمور غوائلها ، سبيله في ذلك سبيل الطاعون. وهذا المعنى نظير قوله عليه السلام:"لا تتَمنَّوْا لقاء العدوّ وسَلُوا الله العافية فإذا لقيتموهم فاصبروا". قلت: وهذا هو الصحيح في الباب ، وهو مقتضى قول الرسول عليه السلام ، وعليه عمل أصحابه البررة الكرام ( رضي الله عنهم ) ، وقد قال عمر لأبي عبيدة محتجًّا عليه لما قال له: أفرارًا من قدر الله! فقال عمر: لو غيرك قالها يا أبا عبيدة! نعم ، نَفِرّ من قدر الله إلى قدر الله. المعنى: أي لا محيص للإنسان عما قدّره الله له وعليه ، لكن أمرنا الله تعالى بالتحرّز من المخاوف ( والمهلكات ) ، وباستفراغ الوسع في التَوقِّي من المكروهات. ثم قال له: أرأيت لو كانت لك إبْلٌ فهبطت واديًا له عُدْوَتان إحداهما خَصْبة والأُخرى جَدْبَة ، أليس إن رَعَيْتَ الخَصْبة رعيتها بقدر الله ، وإن رعيت الجَدْبَة رعيتها بقَدَر الله ( عز وجل ) . فرجع عمر من موضعه ذلك إلى المدينة. قال الكيا الطبريّ: ولا نعلم خلافًا أن الكفار أو قُطّاع الطريق إذا قصدوا بلدة ضعيفة لا طاقة لأهلها بالقاصدين فلهم أن يتنحّوا من بين أيديهم ، وإن كانت الآجال المقدّرة لا تزيد ولا تنقص. وقد قيل: إنما نُهي عن الفرار منه لأن الكائن بالموضع الذي الوباء فيه لعله قد أخذ بحظ منه ،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت