والوجه أن اختلاف الوصفين في الآيتين لا يقتضي اختلاف جنس الحكم باختلاف أحوال المطلقات ، وأن جميع المتعة من شأن المحسنين والمتقين ، وأن دلالة صيغة الطلب في الآيتين سواء إن كان استحبابًا أو كان إيجابًا.
فالذين حملوا الطلب في الآية السابقة على الاستحباب ، حملوه في هذه الآية على الاستحباب بالأولى ، ومعولهم في محمل الطلب في كلتا الآيتين ليس إلا على استنباط علة مشروعية المتعة وهي جبر خاطر المطلقة استبقاء للمودة ، ولذلك لم يستثن مالك من مشمولات هذه الآية إلا المختلعة ؛ لأنها هي التي دعت إلى الفرقة دون المطلق.
والذين حملوا الطلب في الآية المتقدمة على الوجوب ، اختلفوا في محمل الطلب في هذه الآية فمنهم من طرد قوله بوجوب المتعة لجميع المطلقات ، ومن هؤلاء عطاء وجابر بن زيد وسعيد ابن جبير وابن شهاب والقاسم بن محمد وأبو ثور ، ومنهم من حمل الطلب في هذه الآية على الاستحباب وهو قول الشافعي ، ومرجعه إلى تأويل ظاهر قوله: {وللمطلقات} بما دل عليه مفهوم قوله في الآية الأخرى {ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة} [ البقرة: 236 ] . أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 474 ـ 475}
قال الفخر:
يروى أن هذه الآية إنما نزلت ، لأن الله تعالى لما أنزل قوله تعالى: {وَمَتّعُوهُنَّ} إلى قوله: {حَقًّا عَلَى المحسنين} [ البقرة: 236 ] قال رجل من المسلمين: إن أردت فعلت ، وإن لم أرد لم أفعل ، فقال تعالى: {وللمطلقات متاع بالمعروف حَقًّا عَلَى المتقين} يعني على كل من كان متقيًا عن الكفر ، واعلم أن المراد من المتاع ههنا فيه قولان