وأجاب ابن عرفة: بأنا ( نثبت ) الكلام النفسي ، ويصح عندنا سماعه كما سمع موسى كلام الله القديم الأزلي ، وليس بصوت ولا حرف ، أو يقال: إنّ العزم على الطلاق له اعتباران:
اعتبار في نفس الأمر عند الله تعالى ، واعتبار في الظاهر لنا بالحكم الشرعي من حيث يرتفع له حكم الإيلاء عن صاحبه ، ويخرج عن عهدة الحكم عليه ، فهو بهذا الاعتبار لا يعلم إلا بأمارة وقول يدل عليه ، وذلك القول مسموع فعلق به السمع بهذا الاعتبار والعلم باعتبار الأول. أ هـ {تفسير ابن عرفة صـ 293}
قال الإمام الجصاص:
وَاحْتَجَّ مَنْ قَالَ بِالْوَقْفِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} أَنَّهُ لَمَّا قَالَ"سَمِيعٌ عَلِيمٌ"دَلَّ عَلَى أَنَّ هُنَاكَ قَوْلًا مَسْمُوعًا وَهُوَ الطَّلَاقُ.
قَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَهَذَا جَهْلٌ مِنْ قَائِلِهِ ، مِنْ قِبَلِ أَنَّ السَّمِيعَ لَا يَقْتَضِي مَسْمُوعًا ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يَزَلْ سَمِيعًا وَلَا مَسْمُوعَ.
وَأَيْضًا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} وَلَيْسَ هُنَاكَ قَوْلٌ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: {لَا تَتَمَنَّوْا لِقَاءَ الْعَدُوِّ ، فَإِذَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاثْبُتُوا وَعَلَيْكُمْ بِالصَّمْتِ} وَأَيْضًا جَائِزٌ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ رَاجِعًا إلَى أَوَّلِ الْكَلَامِ ، وَهُوَ قَوْله تَعَالَى {لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ} فَأَخْبَرَ أَنَّهُ سَامِعٌ لِمَا تَكَلَّمَ بِهِ عَلِيمٌ بِمَا أَضْمَرَهُ وَعَزَمَ عَلَيْهِ. أ هـ {أحكام القرآن للجصاص حـ 2 صـ 53}
فوائد ولطائف
قال العلامة أبو حيان ـ رحمه الله ـ:
وفي قوله في هذا التقسيم: {فإن فاؤا} و {إن عزموا الطلاق} دليل على أن الفرقة التي تقع في الإيلاء لا تقع بمضي الأربعة الأشهر من غير قول ، بل لا بد من القول لقوله: عزموا الطلاق ، لأن العزم على فعل الشيء ليس فعلًا للشيء ، ويؤكده: {فإن الله سميع عليم} إذ لا يسمع إلاَّ الأقوال ، وجاءت هاتان الصفتان باعتبار الشرط وجوابه ، إذ قدرناه: فليوقعوه ، أي الطلاق ، فجاء: سميع ، باعتبار إيقاع الطلاق ، لأنه من باب المسموعات ، وهو جواب الشرط ، وجاء: عليم ، باعتبار العزم على الطلاق ، لأنه من باب النيات ، وهو الشرط ، ولا تدرك النيات إلاَّ بالعلم.
وتأخر هذا الوصف لمؤاخاة رؤوس الآي ، ولأن العلم أعم من السمع ، فمتعلقه أعم ، ومتعلق السمع أخص ، وأبعد من قال: فإن الله سميع لإيلائه ، لبعد انتظامه مع الشرط قبله. وقال الزمخشري: فإن قلت ما تقول في قوله: فإن الله سميع عليم ؟ وعزمهم الطلاق مما لا يعلم ولا يسمع ؟ قلت: الغالب أن العازم للطلاق ، وترك الفيئة والفرار لا يخلو من مقارنة ودمدمة ، ولا بد من أن يحدث نفسه ويناجيها بذلك ، وذلك حديث لا يسمعه إلاَّ الله ، كما يسمع وسوسة الشيطان.
انتهى كلامه.