فهرس الكتاب

الصفحة 227 من 12199

فخرج من هذا أن القرآن إنما صار معجزًا لأنه جاء بأفصح الألفاظ في أحسن نظوم التأليف ، مضمنًا أصح المعاني ، من توحيد الله تعالى وتنزيهه في صفاته ، ودعاء إلى طاعته وبيان لطريق عبادته في تحليل وتحريم ، وحظر وإباحة ، ومن وعظ وتقويم ، وأمر بمعروف ونهي عن منكر ، وإرشاد إلى محاسن الأخلاق ، وزجر عن مساويها ، واضعًا كل شيء منها موضعه الذي لا يرى شيء أولى منه ، ولا يتوهم في صورة العقل أمر أليق به منه ، مودعًا أخبار القرون الماضية وما نزل من مثلات الله بمن عصى وعاند منهم ، منبئًا عن الكوائن المستقبلة في الأعصار الماضية من الزمان ، جامعًا في ذلك بين الحجة والمحتج له ، والدليل والمدلول عليه ، ليكون ذلك أؤكد للزوم ما دعا إليه ، وإنباءً عن وجوب ما أمر به ونهي عنه.

ومعلوم أن الإتيان بمثل هذه الأمور ، والجمع بين أشتاتها حتى تنتظم وتتسق ، أمر تعجز عنه قوى البشر ، ولا تبلغه قدرتهم ، فانقطع الخلق دونه ، وعجزوا عن معارضته بمثله ، ومناقضيه في شكله ، ثم صار المعاندون له يقولون مرة: إنه شعر لما رأوه منظومًا ، ومرة إنه سحر لما رأوه معجوزًا عنه ، غير مقدور عليه. وقد كانوا يجدون له وقعًا في القلب وقرعًا في النفس ، يريبهم ويحيرهم ، فلم يتمالكوا أن يعترفوا به نوعًا من الاعتراف ، ولذلك قالوا: إن له الحلاوة ، وإن عليه لطلاوة. وكانوا مرة لجهلهم وحيرتهم يقولون: (أساطير الأولين اكتتبها فهي تملى عليه بكرة وأصيلًا) (الفرقان: 5) . مع علمهم أن صاحبهم أمي وليس بحضرته من يملي أو يكتب شيئًا ، ونحو ذلك من الأمور التي أوجبها العناد والجهل والعجز. وقد حكى الله عن بعض مردتهم - وهو الوليد بن المغيرة المخزومي - أنه لما طال فكره في القرآن وكثر ضجره منه ، وضرب له الأخماس من رأيه في الأسداس ، فلم يقدر على أكثر من قوله: (إن هذا إلا قول البشر) (المدثر: 24) عنادًا وجهلًا به ، وذهابًا عن الحجة ، وانقطاعًا دونها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت