هنيئًا مريئًا غير داء مخامر.. ويقال خامر السقام كبده ، وهذا الذي ذكره راجع إلى الأول ، لأن الشيء إذا خالط الشيء صار بمنزلة الساتر له ، فهذه الاشتقاقات دالة على أن الخمر ما يكون ساترًا للعقل ، كما سميت مسكرًا لأنها تسكر العقل أي تحجزه ، وكأنها سميت بالمصدر من خمره خمرًا إذا ستره للمبالغة ، ويرجع حاصله إلى أن الخمر هو السكر ، لأن السكر يغطي العقل ، ويمنع من وصول نوره إلى الأعضاء ، فهذه الاشتقاقات من أقوى الدلائل على أن مسمى الخمر هو المسكر ، فكيف إذا انضافت الأحاديث الكثيرة إليه لا يقال هذا إثبات للغة بالقياس ، وهو غير جائز ، لأنا نقول: ليس هذا إثباتًا للغة بالقياس ، بل هو تعيين المسمى بواسطة هذه الاشتقاقات ، كما أن أصحاب أبي حنيفة رحمهم الله يقولون إن مسمى النكاح هو الوطء ويثبتونه بالاشتقاقات ، ومسمى الصوم هو الإمساك ، ويثبتونه بالاشتقاقات.
النوع الثالث: من الدلائل الدالة على أن الخمر هو المسكر ، أن الأمة مجمعة على أن الآيات الواردة في الخمر ثلاثة واثنان منها وردا بلفظ الخمر أحدهما: هذه الآية والثانية: آية المائدة والثالثة: وردت في السكر وهو قوله: {لاَ تَقْرَبُواْ الصلاة وَأَنتُمْ سكارى} [ النساء: 43 ] وهذا يدل على أن المراد من الخمر هو المسكر.
النوع الرابع: من الحجة أن سبب تحريم الخمر هو أن عمر ومعاذًا قالا: يا رسول الله إن الخمر مسلبة للعقل ، مذهبة للمال ، فبين لنا فيه ، فهما إنما طلبا الفتوى من الله ورسوله بسبب كون الخمر مذهبة للعقل ، فوجب أن يكون كل ما كان مساويًا للخمر في هذا المعنى إما أن يكون خمرًا وإما أن يكون مساويًا للخمر في هذا الحكم.