فهرس الكتاب

الصفحة 1707 من 12199

والجواب: لا نسلم أن هذا اللفظ لا يذكر إلا في المباحات والدليل عليه قوله تعالى: {فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ مِنَ الصلاة} [النساء: 101] والقصر بالاتفاق من المندوبات ، وأيضًا فأهل الجاهلية كانوا يعتقدون أن ضم سائر الطاعات إلى الحج يوقع خللًا في الحج ونقصًا فيه ، فبين الله تعالى أن الأمر ليس كذلك بقوله: {لا جناح عَلَيْكُمْ } . أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 5 صـ 146 ـ 147}

كلام نفيس في هذا الموضع لصاحب البحر المديد

قال رحمه الله:

{ ليس عليكم جناح} أي: إثم أو ميل عن الصواب ، في {أن تبتغوا فضلًا من ربكم} أي: عطاء ورزقًا تستفيدونه من التجارة في مواسم حجكم ، إذا خلَصَتْ نيتكم ، وغلب قصدُ الحج على التجارة.

وها هنا قاعدةٌ ذكرها الغزالي في الإحياء وحاصلها: أن العمل إذا تمحَّض لغير الله فهو سبب المقت والعقاب ، وإذا تمحض الله خالصًا فهو سبب القرب والثواب ، وإذا امتزج بشوْب من الرياء أو حظوظ النفس فينظر إلى الغالب وقوة الباعث ؛ فإن كان باعث الحظ أغلب ، سقط ، وكان إلى العقوبة أقرب ، لكن عقوبته أخف ممن تجرد لغير الله ، وإن كان باعث التقرب أغلب ، حُط منه بقدر ما فيه من باعث الحظ ، وإن تساوي تقاومًا وتساقطًا وصار العمل لا له ولا عليه.

ثم قال: ويشهد لهذا إجماعُ الأمة على أن مَنْ خرج حاجًّا ومعه تجارة صحَّ حجه وأُثيب عليه. ثم قال: والصواب أنْ يقال: مهما كان الحج هو المحرّك الأصلي ، وكان غرضُ التجارة كالتابع ، فلا ينفك نفس السفر عن ثواب ، ثم طُرِّد هذا الاعتبار في الجهاد باعتبار الغنيمة ، يعني: يُنْظر لغالب الباعث وخُلوص القصد ، وكذلك الصوم للحِمْية والثواب ، ينظر لغالب الباعث.

قلت: وتطَّرد هذه القاعدة في المعاملات كلها ، وجميع الحركات والسكنات والحِرَف وسائر الأسباب ، فالخالص من الحظوظ مقبول ، والمتمحض للحظوظ مردود ، والمَشُوب يُنظر للغالب كما تقدم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت