فهرس الكتاب

الصفحة 1029 من 12199

قال القرطبى:

شبّه تعالى واعظ الكفار وداعيهم وهو محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ بالراعي الذي يَنْعِق بالغنم والإبل فلا تسمع إلا دعاءه ونداءه ، ولا تفهم ما يقول: هكذا فسّره ابن عباس ومجاهد وعِكرمة والسّدي والزجاج والفَرّاء وسيبويه ؛ وهذه نهاية الإيجاز. قال سيبويه: لم يُشبَّهوا بالناعق إنما شُبّهوا بالمنعوق به. والمعنى: ومثَلك يا محمد ومَثَل الذين كفروا كَمَثل الناعق والمنعوق به من البهائم التي لا تفهم ؛ فحذف لدلالة المعنى. وقال ابن زيد: المعنى مثل الذين كفروا في دعائهم الآلهة الجماد كمثل الصائح في جَوْف الليل فيجيبه الصَّدَى ؛ فهو يصيح بما لا يسمع ، ويجيبه ما لا حقيقة فيه ولا منتفع. وقال قُطْرب: المعنى مثل الذين كفروا في دعائهم ما لا يفهم ، يعني الأصنام ، كمثل الراعي إذا نَعَقَ بغنمه وهو لا يدري أين هي. قال الطبري: المراد مثل الكافرين في دعائهم آلهتهم كمثل الذي ينعق بشيء بعيد فهو لا يسمع من أجل البعد ؛ فليس للناعق من ذلك إلا النّداء الذي يُتعبه ويُنْصِبه. ففي هذه التأويلات الثلاثة يشبّه الكفار بالناعق الصائح ، والأصنام بالمنعوق به. والنّعيق: زجر الغنم والصياح بها ؛ يقال: نَعَق الراعي بغنمه يَنْعِق نَعِيقًا ونُعاقًا ونَعَقانًا ؛ أي صاح بها وزجرها. قال الأخطل:

انْعِق بضأنك يا جريرُ فإنما... مَنّتك نفسك في الخلاء ضلالاَ

قال القُتَبِيّ: لم يكن جرير راعي ضأن ، وإنما أراد أن بني كُليب يُعَيَّرون برعي الضأن ، وجرير منهم ؛ فهو في جهلهم. والعرب تضرب المثل براعي الغنم في الجهل ويقولون:"أجهل من راعي ضأن". قال القتبِيّ: ومن ذهب إلى هذا في معنى الآية كان مذهبًا ، غير أنه لم يذهب إليه أحد من العلماء فيما نعلم.

والنداء للبعيد ، والدعاء للقريب ؛ ولذلك قيل للأذان بالصلاة نداء لأنه للأباعد.

أ هـ {تفسير القرطبى حـ 2 صـ 214 ـ 215}

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت