وقوله:"أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده" [الأنعام: 90] . وقوله:"والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا" [العنكبوت: 69] ، وهذه الهداية هي المعنية بقوله:"ويجعل لكم نورًا تمشون به" [الحديد: 28] . ويصح أن ننسب هذه الهداية إلى الله عز وجل فيقال: هو آثرهم بها من حيث إنه هو السبب في وصولهم إليها. ويصح أن يقال: اكتسبوها من حيث إنهم توصلوا إليها باجتهادهم. فمن قصد سلطانًا مسترقدًا فأعطاه، يصح أن يقال: إن السلطان خوله. ويصح أن يقال: فلان اكتسب بسعيه، ولانطواء ذلك على الأمرين، 4قال تعالى:"والذين اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقواهم" [محمد: 17] . وقال:"إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات يهديهم ربهم بإيمانهم" [يونس: 9] . فنبه أن ذلك بجهدهم وبفضله جميعًا.
وهذه الهداية يصح أن يقال: هي مباحة للعقلاء كلهم، ويصح أن يقال: هي محظورة إلا على أوليائه، لما كان في إمكان جميع العقلاء أن يترشحوا لتناولها. ومن ذلك قيل: إنها لا يسهل تناولها قبل أن يتشكل الإنسان بشكل مخصوص، بتقديم عبادات. وقد قال بعض المحققين: الهدى من الله كثير، ولا يبصره إلا البصير، ولا يعمل به إلا اليسير. ألا ترى إلا نجوم السماء ما أكثرها ولا يهتدي بها إلا العلماء. وقال بعض الأولياء: إن مثل هداية الله مع الناس كمثل سيل مر على قلات وغدران، فيتناول كل قلت منها بقدر سعته - ثم تلا قوله:"أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها" [الرعد: 17] . وقال بعضهم: هي كمطر أتى على أرضين فينتفع كل أرض بقدر ترشيحها للانتفاع به.