وفي الحديث: إنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال:"اتقوا الدُّنيا، فوالذي نفسي بيده، إنَّها لأَسْحَرُ من هاروت وماروت"قال العلماء: إنّما كانت الدنيا أسحر منهما؛ لأنّها تدعوك إلى التَّحارص عليها، والتَّنافس فيها، والجمع لها، والمنع حتى تُفرِّق بينك وبين طاعة الله تعالى، وتُفرِّق بينك وبين رؤية الحق ورعايته، وسحر الدنيا محبتها، وتلذُّذك بشهواتها، وتمنِّيك بأمانيها الكاذبة حتى تأخذ بقلبك، ولهذا قال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -:"حُبُّك الشيء َ يُعْمِي ويُصِمُّ"أَرَادَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: أنَّ من الحُبِّ ما يعمي عن طريق الحقّ والرَّشدِ، ويُصِمُّكَ عن استماع الحق، وإنَّ الرجل إذا غلب الحُبُّ على قلبه، ولم يكن له رادعٌ من عقلٍ، أو ديْنٍ أصمَّهُ حُبُّه عن العدل، وأعماه عن الرشد، أو يعمي العين عن النظر إلى مساويه، ويُصِمُّ الأذن عن استماع العذل فيه، أو يعمي، ويُصِمُّ عن الآخرة، وفائدته: النَّهي عن حُبِّ ما لا ينبغي الإغراق في حُبِّه، ثُمَّ في هذه القصة إشارةٌ إلى أنّه لا يجوز الاعتماد إلّا على فضل الله سبحانه وتعالى ورحمته، فإنَّ العصمة من آثار حفظ الله تعالى. {وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ} قرأ الجمهور بالتشديد من علَّم المُضعَّف، وقرأ طلحة بن مصرِّف: {وما يُعْلِمَان} من أعلم، وقالت طائفةٌ: بالتضعيف وبالهمزة بمعنًى واحدٍ ذكره في"البحر"؛ أي: وما يُعلِّم الملَكان أحدًا من الناس السحر، فمن مزيدةٌ في المفعول به؛ لإفادة تَأْكيد الاستغراقِ الذي يفيده أحدٌ، والمعنى: ولكن الشياطين كفروا يعلِّمون الناس ما أنزل على الملكين، ويحملونهم على العمل به؛ إغواءً وإضلالًا، والحال أنَّ الملكين ما يُعلِّمان ما أنزل عليهما من السحر أحدًا من طالبيه {حَتَّى} يَنْصَحاه أوَّلًا، ويَنْهَيَاه عن العمل به، والكفر بسببه، و {يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ} وابتلاءٌ من الله تعالى، فمن