52 -قوله تعالى: {ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ} قال الليث: كل من استحق عقوبة فتركته فقد عفوت عنه. فكأن معنى العفو عنده: الترك، ومنه قوله: {فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ} [البقرة: 178] ، أي ترك.
وقال ابن الأنباري: أصل: {عَفَا اللَّهُ عَنْكَ} [التوبة: 43] محا الله عنك، مأخوذ من قولهم: عفت الرياح الآثار، إذا درستها ومحتها، فعفت تعفو عفوا، لفظ اللازم والمتعدى سواء إلا في المصدر. فعفو الله تعالى: محوه الذنوب عن العبيد.
وقال بعض أصحاب المعاني: العفو في اللغة: ما فضل عن الكفاية، وسهلت النفس ببذله ومنه قوله تعالى: {يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ العَفوَ} [البقرة: 219] أي: ما فضل عن القوت، ثم كثر ذلك وطال ترداده حتى صار على التدريج والتراخي: الصفح عن الشيء والإعراض عن المؤاخذة به.
قال المفسرون: والمراد بالعفو في هذه الآية: قبوله التوبة من عبدة العجل، وأمره برفع السيف عنهم.
وقوله تعالى: {مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ} أي من بعد عبادة العجل. وإنما وحد والخطاب للجميع، لاتصال الخطاب بذا وهو مبهم، فمرة يجمع على الأصل في مخاطبة الجميع، ومرة يوحد على مشاكلة اللفظ، إذا كان لفظ المبهم على الواحد، وإن كان معناه على الجمع.
وقوله تعالى: {لَعَلَّكُم تَشكُرُونَ} إنما ذكرت هاهنا وفي سائر المواضع من القرآن نحو {ولَعَلَّكُم تَهتَدُونَ} [البقرة:53] والله عز وجل يعلم أيشكرون أم لا، على ما يفعل العباد ويتخاطبون به، أي: أن هذا يرجى به الشكر، وقد ذكرنا هذا فيما تقدم.
ومعنى الشكر في اللغة: عرفان الإحسان ونشره، وهو الشكور أيضًا. وقال بعض أهل اللغة: معنى الشكر إظهار النعمة بالاعتراف بها، ومن هذا يقال: دابة شكور، إذا أظهرت السمن فوق ما يعلف. وقد ذكرنا أقسام الشكر في ابتداء الفاتحة. وأما معنى الشكور في وصف الله تعالى فمذكور وفي موضعه.