53 -قوله تعالى: {وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ} الآية. الفرقان: مصدر فرَقت بين الشيئين أفرُق فَرْقًا وفُرْقانًا، كالرجحان والنقصان، هذا هو الأصل. ثم يسمى كل فارق: فرقانًا، كتسميتهم الفاعل بالمصدر، كما سمى كتاب الله الفرقان لفصله بحججه وأدلته بين المحقّ والمبطل، وسمى الله تعالى يوم بدر: يوم الفرقان في قوله {يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ} [الأنفال: 41] ، لأنه فرق في ذلك اليوم بين الحق والباطل، فكان ذلك اليوم يوم الفرقان.
وقوله تعالى: {إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا} [الأنفال: 29] ، أي: يفرق بينكم وبين ذنوبكم، أو بينكم وبين ما تخافون.
فأما معنى الفرقان في هذه الآية: فقال مجاهد: هو بمعنى الكتاب، وهما شيء واحد. وهو اختيار الفراء. قال: العرب تكرر الشيء إذا اختلفت ألفاظه، قال عدي بن زيد:
وأَلْفَى قَوْلَهَا كَذِبًا وَمَينَا
وقال عنترة:
أَقْوَى وَأَقْفَرَ بَعْدَ أُمِّ الهَيْثَمِ
وارتضى الزجاج هذا القول، قال: لأن الله تعالى ذكر لموسى الفرقان في غير هذا الموضع وهو قوله: {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ} [الأنبياء: 48] . فعلى هذا الفرقان هو الكتاب، والكتاب هو الفرقان، ولكن ذكر بلفظين مختلفين نحو ما ذكرنا.
قال الزجاج: ويجوز أن يريد بالفرقان انفراق البحر، وهو من عظيم الآيات، كأنه قيل: آتيناه فرق البحر وهذا قول يمان بن رباب. وقال ابن عباس: أراد بالفرقان النصر على الأعداء، لأن الله عز وجل
نصر موسى وقومه. وقال حسان يذكر ذلك، يخاطب النبي - صلى الله عليه وسلم -:
فَثَبَّتَ اللهُ مَا آتاكَ مِنْ حَسَنٍ ... تَثْبِيتَ مُوسَى وَنَصْرًا كَالَّذِي نُصِرُوا
فعلى هذا سمى نصره على فرعون وقومه فرقانًا؛ لأن في ذلك فرقًا بين الحق والباطل.