فذهب الجمهور: إلى ثبوته في الخارج، وقالت المعتزلة: لا ثبوت له، ولا وجود له في الخارج، بل هو تمويهٌ وتخييلٌ، ومجرَّد إراءة ما لا حقيقة له، يرى الحبال حيَّاتٍ بمنزلة الشعوذة التي سببها: خِفَّة حركات اليد، أو إخفاء وجه الحيلة، وتمسّكوا بقوله: {يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى} ولنا وجهان: الأوّل: يدل على الجواز، والثاني يدلّ على الوقوع، أمّا الأول: فهو إمكان الأمر في نفسه، وشمول قدرة الله سبحانه وتعالى له، فإنّه الخالق، وإنما الساحر فاعلٌ وكاسبٌ، وأمّا الثاني: فهو قوله تعالى: {فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ} ، وفيه إشعارٌ بأنّه ثابتٌ حقيقة ليس مجرد إراءةٍ وتمويهٍ، وبأنَّ المؤثّر والخالق هو الله تعالى وحده، وأمّا الشَّعوذة، وما يجري مجراها من إظهار الأمور العجيبة بواسطة ترتيب الأدلَّة الهندسية، وخفّة اليد، والاستعانة بخواص الأدوية والأحجار، فإطلاق السحر عليها مجازٌ، أو لما فيها من الدِقَّة؛ لأنّه في الأصل عبارةٌ عن كل ما لطف مأخذه، وخفي سببه، ولذا يقال: سحرٌ حلالٌ، وأكثرُ من يتعاطى السحر النساء، وخاصةً حالَ حيضهنّ، والأرواحُ الخبيثةُ ترى غالبًا للطبائعِ المغلوبةِ، والنفوسِ الرذيلة، وإن لم يكن لهم رياضةٌ، كالنساء، والصبيان، والمُخنثين، والإنسان إذا فَسَد نفسه، أو مزاجه يشتهي ما يضرُّه، ويتلذَّذ به، بل يعشق ذلك عشقًا يفسد عقلَه، ودينَه، وخلقه، وبدنه، وماله، والشياطين خبيثةٌ، فإذا تقرَّب صاحبُ العزائم، والإِقسام، وكَتْبِ الرُّوحانيات السحرية، وأمثال ذلك إليهم، بما يحبُّونه من الكفر، والشرك صار ذلك كالرَّشوة والبَرْطِيْلِ لهم، فيقضون بعض أغراضهم، كمن يعطي رجلًا مالًا - ليقتل من يريد قتله، أو يعينه على فاحشةٍ، أو ينال منه فاحشةً، ولذلك يكتب السحرة،