ذلك الإيمان منهم لما كذبوا بعض الرسل والكتب كان إيمانهم بما آمنوا به في حيز
القليل.
قال الله - جلَّ جلالُه - فيهم: (أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا)
ثم قال: (وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ...(89)
يريد القرآن (مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ)
أي: من التوراة والإنجيل والزبور والكتب المنزلة(وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى
الَّذِينَ كَفَرُوا)جاء أنهم كانوا يقولون للأوس والخزرج إذ كانوا
يقاتلونهم: الآن يبعث الله رسولا نقتلكم بهم [قتل] عاد وإرم. وقيل أيضًا: وهو
الأشبه بمعنى الخطاب: إنهم كانوا يستفتحون عليهم فيدعون اللَّه، ويسألونه باسم
الرسول المرسل الذي وعدتنا به: انصرنا عليهم.
والاستفتاح: هو الدعاء نفسه، فلما جاءهم ما عرفوا فأعلمهم عز جلاله
بخلافهم لرسولهم - صلى الله عليه وسلم - ونقضهم العهود التي ألزموها وتوليهم، ثم أعلمهم - جلَّ جلالُه -
بالأنبياء والرسل بعده، وبعيسى ابن مريم ومحمد - صلوات الله وسلامه عليهم
أجمعين - وبأنهم كذبوا بعضًا وقتلوا بعضا، واستحقوا بذلك لعنة الله عليهم.
وباتخاذهم قبل العجل من دون الله جلَّ ذكره إلهًا استحقوا أن يحل عليهم
الغضب من ربهم، ثم بردهم ما جاء به عيسى - عليه السلام - ، وبحد ذلك ردوا ما جاء به
محمد - صلى الله عليه وسلم - استحقوا أيضًا غضب الله عليهم فباءوا بغضب على غضب.
(وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ) أعَلَى هذا يخرجون من النار.
ثم أخذ يحاجهم ثانية إلى قوله: (بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ(93)
أي: هو الكفر تسمونه: إيمانًا، وليس به.
ثم صرف - جلَّ جلالُه - الخطاب إلى ذكر ما اعتقدوه من غرور أمانيهم، وأكذوبات
ظنونهم محاجًّا لهم في ذلك بقوله: (إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ
دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (94) . إلى قوله: (وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا
يَعْمَلُونَ (96) . فأخبر عنهم أنهم أحرص الناس على حياة، نعم وهم أحرص