الخطاب أنهم كانوا يعتقدون في أنفسهم أنهم على الإسلام والإيمان الموجب
للجنة والمعد عن النار، والإيمان الموجب للجنة هو الإيمان بالله وملائكته ورسله،
وبالقدَر خيره وشره، حلوه ومره، والعمل الصالح، فكانوا يقولون على ما هم عليه:
(لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً) أي: عدتها في علم الله ومشيئته، ثم
يخرجنا منها بشفاعة نبينا - عليه السلام - كالذي يقوله المسلمون.
فرد الله - جلَّ جلالُه - عليهم ذلك من قولهم بقوله:(أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ
يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ)أي: إنكم تموتون على الإسلام والإيمان، ويختم
لكم بذلك، فتكونوا بذلك على حال من تحل له الشفاعة إن كان ذلك كذلك، فلن
يخلف الله عهده (أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ) وإنما ذلك من
الغيب، فمن أين لكم بعلمه، وها أنتم هؤلاء قد كذَّبتم عيسى ومحمدًا - صلى الله
عليهما وسلم - فمن أين لكم بالخروج من النار وأنتم الكفار حقًّا؟!
ولذلك أتبع قوله: (بَلَى) وهو جواب عن استفهام وهي مع ذلك معبرة عن
إبقاء بعض الحكم؛ أي: من مات منكم على الإسلام موسى وهارون والنبيين بعده
وإيمانهم هذا مفهوم، بل فيما هنا، ثم ذكر بعد ذلك من كسب في إسلامه وإيماته ما
خلط به سباب وتكذيب لبعض الرسل، ورد لبعض الكتب وهذا مطلع تشرف منه
على ما حدث به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من حكم الشفاعة في الآخرة.
وقول الله:"أخرجوا من النار، من قال: لا إله إلا الله وفي قلبه مثقال شعيرة،"
ومثقال بُرة ومثقال ذرة أَدنَى أَدنَى أَدنَى مِثقَالِ حَبَّةِ خَردَلٍ من إِيمَانٍ..."إلى آخر ما"
حدث به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في هذا المعنى، فإنا لا نبعد أن يكون لجميع المرسلين
صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين شفاعات على هذا الحكم فلذلك قالوا:(لَنْ
تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً)وتقدير ما انحذف من تمام الكلام،
ويخرجنا منها نيا بشفاعته فينا فكان الجواب على ذلك بقوله: (بَلَى)