قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَيَتَّجِهُ فِي قَوْلِهِ: {ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ} وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا أَنْ يَكُونَ أُرِيدَ بِهِ: ثُمَّ أَنْتُمْ يَا هَؤُلَاءِ، فَتَرَكَ يَا اسْتِغْنَاءً بِدَلَالَةِ الْكَلَامِ عَلَيْهِ، كَمَا قَالَ: {يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا}
وَتَأْوِيلُهُ: يَا يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا، فَيَكُونُ مَعْنَى الْكَلَامِ حِينَئِذٍ: ثُمَّ أَنْتُمْ يَا مَعْشَرَ يَهُودِ بَنِي إِسْرَائِيلَ، بَعْدَ إِقْرَارِكُمْ بِالْمِيثَاقِ الَّذِي أَخَذْتُهُ عَلَيْكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ، ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ بَعْدَ شَهَادَتِكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ بِأَنَّ ذَلِكَ حَقٌّ لِي عَلَيْكُمْ لَازِمٌ لَكُمُ الْوَفَاءُ لِي بِهِ {تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ} مُتَعَاوِنِينَ عَلَيْهِمْ فِي إِخْرَاجِكُمْ إِيَّاهُمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ.
وَالتَّعَاوُنُ: هُوَ التَّظَاهُرُ؛ وَإِنَّمَا قِيلَ: لِلتَّعَاوُنِ التَّظَاهُرُ، لِتَقْوِيَةِ بَعْضِهِمْ ظَهْرَ بَعْضٍ، فَهُوَ تَفَاعُلٌ مِنَ الظَّهْرِ، وَهُوَ مُسَانَدَةُ بَعْضِهِمْ ظَهْرَهُ إِلَى ظَهْرِ بَعْضٍ.
وَالْوَجْهُ الْآخَرُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ: ثُمَّ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ؛ فَيَرْجِعُ إِلَى الْخَبَرِ عَنْ أَنْتُمْ، وَقَدِ اعْتَرَضَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْخَبَرِ عَنْهُمْ بِهَؤُلَاءِ، كَمَا تَقُولُ الْعَرَبُ: أَنَا ذَا أَقُومُ، وَأَنَا هَذَا أَجْلِسُ، وَإِذْ قِيلَ: أَنَا هَذَا أَجْلِسُ كَانَ صَحِيحًا جَائِزًا، كَذَلِكَ أَنْتَ ذَاكَ تَقُومُ.
ثُمَّ اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِيمَنْ عُنِيَ بِهَذِهِ الْآيَةِ نَحْوَ اخْتِلَافِهِمْ فِيمَنْ عُنِيَ بِقَوْلِهِ: {وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ}