ورَضِىَ الرّبّ عن عبده كقوله: {وَإِن تَشْكُرُواْ يَرْضَهُ لَكُمْ} .
وقِلَّةُ أَهله فِي العالمين على أَنَّهم من خواصّه.
وفى الصّحيح عن النبيّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم:"أَنَّه قام حتى تورّمت قَدَماه ، فقيل له: تفعل هذا وقد غَفَر الله لك ما تقدّم من ذنبك [وما تأَخَّر] ؟ قال: أَفلا أَكون عبدًا شكورًا"!.
وقال لمُعَاذ إِنِّى أُحبُك ، فلا تنس أَن تقول فِي دُبُر كلّ صلاة: اللَّهمّ أَعنِّى على ذكركَ وشُكرك وحُسن عبادتك"."
وفى الترمذى من بعض دعائه المشهور:"ربّ اجعلنى لك شَكَّارًا ، لك ذكَّارًا ، لك رَهّابا لك مِطواعًا ، لك مُخْبِتًا ، إِليك أَوّاهًا مُنِيبًا".
والشكر مبنيّ على خمس قواعد: خضوع الشاكر للمشكور ، وحبّه له ، واعترافه بنعمته ، والثناء عليه بها ، وأَلا يستعملها فيما يكره.
هذه الخمسة هي أَساس الشكر ، وبناؤه عليها.
فمتى عُدم منها واحدة اختلّت قاعدة من قواعد الشكر.
وكلّ من تكلم فِي الشكر فكلامه إِليها يرجع ، وعليها يدور.
فقيل حَدّه: أَنَّه الاعتراف بنعمة المنعِم على وجه الخضوع.
وقيل: الثناءُ على المحسِن بذكر إِحسانه.
وقيل: هو عكوف القلب على محبّة المنعِم ، والجوارح على طاعته ، وجَرَيانُ اللسان بذكره ، والثناءِ عليه.
وقيل: هو مشاهدة المِنَّة ، وحفظ الحُرْمة.
وما أَلطف ما قال حَمْدُون القصّار: شُكر النعمة: أَن نرى نفسك طُفَيْلِيًّا.
وقال أَبو عثمان: الشكر: معرفة العجز عن الشكر.
وقيل: الشكر إِضافة النِّعَمِ إِلى مُوليها.
وقال الجُنَيد: الشكر: أَلاَّ ترى نفسك أَهلاً للنعمة.
وهذا معنى قول حمدون: أَن ترى نفسك فيها طُفَيْليًّا.
وقال رُوَيم: الشكر: استفراغ الطَّاقة ، يعني فِي الخدمة.
وقال الشِّبليّ: الشكر: رؤية المنعِم لا رؤية النعمة.
ويحتمل كلامه أَمرين: أَحدهما أَن يَفْنَى برؤية المنعِم عن رؤية النعمة ، الثَّانى أَلاَّ تحجبه رؤية النعمة ومشاهدتُها عن رؤية المنعِم بها ، وهذا أَكمل ، والأَوّل أَقوى عندهم.