والكمال أَن يشهد النعمة والمنعِم ، لأَنّ شكره بحسب شهوده للنعمة ، وكلّما كان أَتمّ كان الشّكر أَكمل ، والله يحُبّ من عبده أَن يشهد نعمه ، ويعترف بها ، ويُثنى عليه بها ، ويحبّه عليها ، لا أَن يَفْنَى عنها ، ويغِيب عن شهودها.
وقيل: الشكر قِيْد النِّعَم الموجودة ، وصيد النِّعم المفقودة.
وشكر العامّة على المَطْعَم والمَلْبَس وقوة الأَبدان ، وشكر الخاصّة على التَّوحيد والإِيمان وقوّة القلوب.
وقال داود عليه السّلام: يا ربّ كيف أَشكرك وشكرى نعمة عليّ مِن عندك تستوجب بها شكرًا ؟.
فقال: الآن شكرتنى يا داود.
وفى أَثر إِسرائيليِّ ، قال موسى: يا ربّ خلقتَ آدم بيدك ، ونفخت فيه من رُوحك ، وأَسجدت له ملائكتك ، وعلَّمته أَسماءَ كلّ شيء ، وفعلتَ وفعلت ، فكيف أَطاق شكرك.
فقال الله عزَّ وجلّ: علم أَنَّ ذلك منى ، فكانت معرفته بذلك شكرًا لي.
وقيل: التلذّذ بثنائه على ما لم يستوجب من عطائه.
وقال الجُنَيد - وقد سأَله سَرِيّ عن الشكر ، وهو صبيّ بَعْدُ -: الشكر أَلاّ يستعان بشئ من نِعَم الله على معاصيه.
قال من أَين لك هذا ؟ قال: من مجالستك.
وقيل: من قَصُرت يداه عن المكافأَة فليَطُل لسانُه بالشكر.
والشكر مع المزيد أَبدًا ؛ لقوله تعالى: {لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ} .
فمتى لم تر حالك فِي مزيد فاستقبل الشكر.
وفى أَثر إِلَهيّ ، يقول الله: أَهل ذكرى أَهل مجالستى ، وأَهل شكرى أَهل زيادتى ، وأَهل طاعتى أَهل كرامتى ، وأَهل معصيتى لا أُقَنِّطهم من رحمتى ، إِنْ تابوا فأَنا حبيبهم ، وإِنْ لم يتوبوا فأَنا طبيبهم ، أَبتليهم بالمصائب لأطهرهم عن المعايب.
وقيل: من كتم النعمة فقد كفرها ؛ ومن أَظهرها ونَشرها فقد شكرها.
قال:
*ومن الرزيّة أَنَّ شكرى صامت * عمّا فعلت وأَنّ برّك ناطقُ
*أَأَرَى الصنيعة منك ثم أُسِرّها * إِنِّى إِذًا لِنَدَى الكريمِ لسارقُ*
وتكلم النَّاسُ فِي الفرق بين الحمد والشكر [و] أَيُّها أَفضل.