وذلك يدل على أن الساكن يرى متحركاً والمتحرك يرى ساكناً ، والقطرة النازلة ترى خطاً مستقيماً ، والذبالة التي تدار بسرعة ترى دائرة ، والعنبة ترى فِي الماء كبيرة كالإجاصة ، والشخص الصغير يرى فِي الضباب عظيماً ، وكبخار الأرض الذي يريك قرص الشمس عند طلوعها عظيماً ، فإذا فارقته وارتفعت عنه صغرت ، وأما رؤية العظيم من البعيد صغيراً فظاهر ، فهذه الأشياء قد هدت العقول إلى أن القوة الباصرة قد تبصر الشيء على خلاف ما هو عليه فِي الجملة لبعض الأسباب العارضة ، وثانيها: أن القوة الباصرة إنما تقف على المحسوسات وقوفاً تاماً إذا أدركت المحسوس فِي زمان له مقدار ما ، فأما إذا أدركت المحسوس فِي زمان صغير جداً ثم أدركت بعده محسوساً آخر وهكذا فإنه يختلط البعض بالبعض ولا يتميز بعض المحسوسات عن البعض ، وذلك فإن الرحى إذا أخرجت من مركزها إلى محيطها خطوطاً كثيرة بألوان مختلفة ثم استدارات ، فإن الحس يرى لوناً واحداً كأنه مركب من كل تلك الألوان ، وثالثها: أن النفس إذا كانت مشغولة بشيء ، فربما حضر عند الحس شيء آخر ولا يشعر الحس به ألبتة كما أن الإنسان عند دخوله على السلطان قد يلقاه إنسان آخر ويتكلم معه ، فلا يعرفه ولا يفهم كلامه ، لما أن قلبه مشغول بشيء آخر ، وكذا الناظر فِي المرآة فإنه ربما قصد أن يرى قذاة فِي عينه فيراها ولا يرى ما هو أكبر منها ، إن كان بوجهه أثر أو بجبهته أو بسائر أعضائه التي تقابل المرآة ، وربما قصد أن يرى سطح المرآة هل هو مستو أم لا فلا يرى شيئاً مما فِي المرآة ، إذا عرفت هذه المقدمات سهل عند ذلك تصور كيفية هذا النوع من السحر ، وذلك لأن المشعبذ الحاذق يظهر عمل شيء يشغل أذهان الناظرين به ويأخذ عيونهم إليه حتى إذا استغرقهم الشغل بذلك الشيء والتحديق نحوه عمل شيئاً آخر عملاً بسرعة شديدة ، فيبقى ذلك العمل خفياً لتفاوت الشيئين ، أحدهما: اشتغالهم بالأمر الأول ، والثاني: سرعة الإتيان بهذا العمل