مسكوتًا عنه مشارًا إليه، وهم الذين آمنوا بالله وبالرسل، لكنهم عملوا بالمعاصي فلم
يتوبوا.
أمر نبيه - صلى الله عليه وسلم - أن يبين عنه كيف الحكم فيه بقوله الحق:(يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا
أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ)ولم يفصح بما في [مشيئته] من المغفرة لمن شاء
أن يغفر له منهم، ولا بإخراج من النار بعد إدخاله إياهم فيها رحمة منه - جلَّ جلالُه - بعباده،
لحكمة بالغة له في حكمه؛ ليسوق عباده بصوت وعيده إلى رحمته؛ إذ علم - جلَّ جلالُه - أن
في عباده الغفول الذي لا يستحق أن يوصف بحياة، لأنهماكمه في شهواته، وانتهاكه
في خلافه وقلة مبالاته بما هو صائر إليه.
ولا يستحق أن يوصف بالموت كله، إذ قد شهد بشهادة الحق في أصل
معرفته، ودخل في صفقة أهل التوحيد في جملة شأنه، فمتى ذكر أو ذكِّر بالنار جزاء
لسيئاته سبق وهله إلى الخروج منها برحمة الشفاعة، فأغمض جهلاً منه، وجرأة
على ربه ما بين ذلك كقول أولئك: (لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً)
فغرَّه جهله بربه وغفلته وسوء رأيه.
ولقد بلغنا - والله أعلم - أن أحدهم ليمكث فيها مثل عمره، وقد جاء في
بعض ما يؤثر عن بعض السلف أن رجلاً يمكث فيها مقدار ألف سنة.
قال الحسن البصري، رحمة الله عليه: ليتني ذلك الرجل.
فأجمعت النفوس كلها في الطمع في رحمة الله تعالى وكريم ثوابه، فمن
مصيب في طلبه وطمعه ومن مخطئ، فأما أهل المخافة ففكروا في الخلود وفرقوا
منه جدًّا، فتمنوا الخروج منها ولو على بعد ونأي طويل؛ إذ لم يرو أنفسهم للخروج
منها أهلاً، وأما أهل الغفلة عن أنفسهم وعن أعمالهم فأغمضوا على موضع العقاب
ولم يقدروا قدره"لموتهم عن إحساسها بالحزن عليها، والخوف منها في الدنيا."
(فصل)
ثم جعل جلَّ ذكره يعدد كفرانهم ونقضهم العهود التي كانوا يستوجبون بالوفاء
بها الوفاء من الله تعالى بالجنة، فقال: (وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ
إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا ... (83)