قال المهدوي فِي (كتاب التحصيل) من تأليفه: وهذه المعجزة إنما كانت على عهد النبي صلى الله عليه وسلم ، ثم ارتفعت بوفاته صلى الله عليه وسلم.
ونظير ذلك رجل يقول لقوم حدثهم بحديث: دلالة صدقي ، أن أحرّك يدي ولا يقدر أحد منكم أن يحرّك يده ، فيفعل ذلك ، فيكون دليلاً على صدقه ، ولا يبطل دلالته أن حركوا أيديهم بعد ذلك.
انتهى كلامه ، وقد قاله غيره من المفسرين.
قال ابن عطية: والصحيح أن هذه النازلة من موت من تمني الموت ، إنما كانت أياماً كثيرة عند نزول الآية ، وهي بمنزلة دعائه النصارى من أهل نجران إلى المباهلة ، انتهى كلامه.
وكلا القولين ، أعني قول المهدوي وابن عطية ، مخالف لظاهر القرآن ، لأن أبدأ ظاهره أن يستغرق مدة أعمارهم ، كما بيناه.
وهل امتناعهم من تمني الموت ، كان لعلمهم أن كل نبي عرض على قومه أمراً وتوعدهم عليه بالهلاك فردوه تكذيباً له ، فإن ما توعدهم به واقع لا محالة ؟ أو لعلمهم بصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأنه لا يقول على الله إلا الحق ؟ أو لصرف الله إياهم عن ذلك ، كما قيل فِي عدم معارضة القرآن بالصرفة ؟ أقوال ثلاثة.
والظاهر أن ذلك معلل {بما قدمت أيديهم} .
والذي قدمته أيديهم: تكذيبهم الأنبياء ، وقتلهم إياهم ، وقولهم: {أرنا الله جهرة} ، وقولهم: {اجعل لنا إلهاً} وقولهم: {فاذهب أنت وربك} واعتداؤهم فِي السبت ، وسائر الكبائر التي لم تصدر من أمة قبلهم ولا بعدهم.
وهذا التمني الذي طلب منهم ، ونفي عنهم ، لم يقع أصلاً منهم ، إذ لو وقع لنقل ، ولتوفرت دواعي المخالفين للإسلام على نقله.
وقد تقدّمت الأقوال فِي تفسير التمني ، والظاهر أنه لا يعني به هنا العمل القلبي ، لأنه لا يطلع عليه ، فلا يتحدى به ، وإنما عنى به القول اللساني كقولك: ليت الأمر يكون.