وفي قصتي قتل عثمان وسعيد بن جبير ما يدل على اختيارهما الشهادة ، وذلك أن عثمان جاءه جماعة من الصحابة فقالوا له: نقاتل عنك ؟ فقال لهم: لا ، وكان له قريب من ألف عبد ، فشهروا سيوفهم لما هجم عليهم ، فقال: من أغمد سيفه فهو حرّ.
فصبر حتى قتل.
وأما سعيد ، فإن الموكلين به ، لما طلبه الحجاج ، لما شاهدوا من لياذ السباع به وتمسحها به ، قالوا: لا ندخل فِي إراقة دم هذا الرجل الصالح ، قالوا له: طلبك ليقتلك ، فاذهب حيث شئت ، ونحن نكون فداء.
فقال: لا والله ، إني سألت ربي الشهادة ، وقد رزقنيها ، والله لا برحت.
وروي عن النبي ، صلى الله عليه وسلم:"لو تمنوا الموت لغص كل إنسان بريقه فمات مكانه وما بقي على وجه الأرض يهودي"وذلك أن الله أمر نبيه أن يدعوهم إلى تمني الموت ، وأن يعلمهم أنه من تمناه منهم مات.
ففعل النبي صلى الله عليه وسلم ذلك ، فعلم اليهود صدقه ، فأحجموا عن تمنيه فرقاً من الله.
{ولن يتمنوه أبداً بما قدّمت أيديهم} : هذا من المعجزات ، لأنه إخبار بالغيب ، ونظيره من الإخبار بالمغيب قوله: {فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا} وظاهره أن من ادّعى أن الجنة خالصة له دون الناس ممن اندرج تحت الخطاب فِي قوله: {قل إن كانت لكم الدار الآخرة عند الله خالصة} ، لا يمكن أن يتمنى الموت أبداً ، ولذلك كان حرف النفي هنا لن الذي قد ادّعى فيه أنه يقتضي النفي على التأبيد ، فيكون قوله: أبداً ، على زعم من ادعى ذلك للتوكيد.
وأما من ادعى أنه بمعنى لا ، فيكون أبداً إذ ذاك مفيداً لاستغراق الأزمان.
ويعني بالأبد هنا: ما يستقبل من زمان أعمارهم.
وفي المنتخب ما نصه: وإنما قال هنا: {ولن يتمنوه} ، وفي الجمعة {ولا يتمنونه} لأن دعواهم هنا أعظم من دعواهم هناك ، لأن السعادة القصوى فوق مرتبة الولاية ، لأن الثانية تراد لحصول الأولى ، ولن أبلغ فِي النفي من لا ، فجعلها النفي الأعظم.
انتهى كلامه.