والهمزة في قوله: {أَفَتُؤْمِنُونَ} للاستفهام التوبيخي المضمَّن للإنكار، داخلةٌ على محذوف يستدعيه المقام، والفاء عاطفةٌ على ذلك المحذوف، والتقدير: أتفعلون ذلك، فتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعضٍ، مع أنَّ قضيَّة الإيمان، الإيمان بالباقي؛ لكون الكل من عند الله تعالى داخلًا في الميثاق، فمناط التوبيخ كفرهم بالبعض مع إيمانهم بالبعض {فَمَا جَزَاءُ} نفي؛ أي: ليس جزاء {مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ} ؛ أي: الكفر ببعض الكتاب مع الإيمان بالبعض {مِنْكُمْ} يا معشر اليهود: حالٌ من فاعل يفعل، {إِلَّا خِزْيٌ} استثناءٌ مفرع وقع خبرًا للمبتدأ؛ أي: ذُلٌّ وهوانٌ مع الفضيحة، وهو قتل بني قريظة، وأسرهم، وإجلاء بني النضير إلى أذرعات، وأريحا من الشام، وقيل: هو أخذ الجزية {فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} صفة خزي، ولعلَّ بيان جزائهم بطريق القصر على ما ذكر؛ لقطع أطماعهم الفارغة من ثمرات إيمانهم ببعض الكتاب، وإظهار أنَّه لا أثر له أصلًا مع الكفر بالبعض {وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ} ؛ أي: ويوم تقام فيه الأجزية، وهو عبارةٌ عن زمانٍ مُمْتَدٍّ إلى أن يفصل بين العباد، ويدخل أهل الجنّة الجنّة، وأهل النار النار، {يُرَدُّونَ} ؛ أي: يرجعون، والردُّ: الرَّجع بعد الأخذ {إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ} وهو التعذيب في جهنّم، وهو أشدُّ من خزيهم في الدنيا، وأشدُّ من كل عذاب كان قبله، فإنَّه ينقطع وهذا لا ينقطع، وفي الحديث:"فضوح الدنيا أهون من فضوح الآخرة"، وإنّما كان أشدَّ؛ لما أنَّ معصيتهم كانت أشدَّ المعاصي.