وَإِنَّمَا وَصَفَ اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ الْحِجَارَةَ بِمَا وَصَفَهَا بِهِ مِنْ أَنَّ مِنْهَا الْمُتَفَجِّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ، وَأَنَّ مِنْهَا الْمُتَشَقِّقُ بِالْمَاءِ، وَأَنَّ مِنْهَا الْهَابِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ بَعْدَ الَّذِي جَعَلَ مِنْهَا لِقُلُوبِ الَّذِينَ أَخْبَرَ عَنْ قَسْوَةِ قُلُوبِهِمْ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مَثَلًا، مَعْذِرَةً مِنْهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ لَهَا دُونَ الَّذِينَ أَخْبَرَ عَنْ قَسْوَةِ قُلُوبِهِمْ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِذْ كَانُوا بِالصِّفَةِ الَّتِي وَصَفَهُمُ اللَّهُ بِهَا مِنَ التَّكْذِيبِ بِرُسُلِهِ وَالْجُحُودِ لِآيَاتِهِ بَعْدَ الَّذِي أَرَاهُمْ مِنَ الْآيَاتِ وَالْعِبَرِ وَعَايَنُوا مِنْ عَجَائِبِ الْأَدِلَّةِ وَالْحِجَجِ مَعَ مَا أَعْطَاهُمْ تَعَالَى ذِكْرُهُ مِنْ صِحَّةِ الْعُقُولِ وَمَنَّ بِهِ عَلَيْهِمْ مِنْ سَلَامَةِ النُّفُوسِ الَّتِي لَمْ يُعْطِهَا الْحَجَرَ وَالْمَدَرَ، ثُمَّ هُوَ مَعَ ذَلِكَ مِنْهُ مَا يَتَفَجَّرُ بِالْأَنْهَارِ وَمِنْهُ مَا يَتَشَقَّقُ بِالْمَاءِ وَمِنْهُ مَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ، فَأَخْبَرَ تَعَالَى ذِكْرُهُ أَنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ مَا هُوَ أَلْيَنُ مِنْ قُلُوبِهِمْ لِمَا يَدْعُونَ إِلَيْهِ مِنَ الْحَقِّ.
ثُمَّ اخْتَلَفَ أَهْلُ النَّحْوِ فِي مَعْنَى هُبُوطِ مَا هَبَطَ مِنَ الْحِجَارَةِ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ. فَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّ هُبُوطَ مَا هَبَطَ مِنْهَا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ: تَفَيَّؤُ ظِلَالُهُ.
وَقَالَ آخَرُونَ: ذَلِكَ الْجَبَلُ الَّذِي صَارَ دَكًّا إِذْ تَجَلَّى لَهُ رَبُّهُ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: ذَلِكَ كَانَ مِنْهُ وَيَكُونُ بِأَنَّ اللَّهَ جَلَّ ذِكْرُهُ أَعْطَى بَعْضَ الْحِجَارَةِ الْمَعْرِفَةَ وَالْفَهْمَ، فَعَقَلَ طَاعَةَ اللَّهِ فَأَطَاعَهُ؛ كَالَّذِي رُوِيَ عَنِ الْجِذْعِ الَّذِي كَانَ يَسْتَنِدُ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا خَطَبَ فَلَمَّا تَحَوَّلَ عَنْهُ حَنَّ.