يَعْنِي بِقَوْلِهِ جَلَّ ذِكْرُهُ: {وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَّا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ} وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ حِجَارَةً يَتَفَجَّرُ مِنْهَا الْمَاءُ الَّذِي تَكُونُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ، فَاسْتَغْنَى بِذِكْرِ الْمَاءِ عَنْ ذِكْرِ الْأَنْهَارِ، وَإِنَّمَا ذُكِرَ فَقَالَ مِنْهُ لِلَفْظِ مَا وَالتَّفَجُّرُ: التَّفَعُّلُ مِنْ فَجَّرَ الْمَاءَ، وَذَلِكَ إِذَا تَنَزَّلَ خَارِجًا مِنْ مَنْبَعِهِ، وَكُلُّ سَائِلٍ شَخَصَ خَارِجًا مِنْ مَوْضِعِهِ وَمَكَانِهِ فَقَدِ انْفَجَرَ مَاءً كَانَ ذَلِكَ أَوْ دَمًا أَوْ صَدِيدًا أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ وَمِنْهُ قَوْلُ عُمَرَ بْنِ لَجَأٍ:
[البحر الوافر]
وَلَمَّا أَنْ قُرِنْتُ إِلَى جَرِيرٍ ... أَبَى ذُو بَطْنِهِ إِلَّا انْفِجَارَا
يَعْنِي: إِلَّا خُرُوجًا وَسَيَلَانًا
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَإِنَّ مِنْهَا لَمَّا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ}
يَعْنِي بِقَوْلِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَحِجَارَةً تَشَقَّقُ. وَتَشَقُّقُهَا: تَصَدُّعُهَا.
وَإِنَّمَا هِيَ: لِمَا يَتَشَقَّقُ، وَلَكِنَّ التَّاءَ أُدْغِمَتْ فِي الشِّينِ فَصَارَتْ شِينًا مُشَدَّدَةً.
وَقَوْلُهُ: {فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ} فَيَكُونُ عَيْنًا نَابِعَةً وَأَنْهَارًا جَارِيَةً
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ}
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَهْبِطُ: أَيْ يَتَرَدَّى مِنْ رَأْسِ الْجَبَلِ إِلَى الْأَرْضِ وَالسَّفْحِ مِنْ خَوْفِ اللَّهِ وَخَشْيَتِهِ.
وَقَدْ دَلَّلْنَا عَلَى مَعْنَى الْهُبُوطِ فِيمَا مَضَى بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ. وَأُدْخِلَتْ هَذِهِ اللَّامَاتُ اللَّوَاتِي فِي مَا تَوْكِيدًا لِلْخَبَرِ.