وَكَالَّذِي رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: «إِنَّ حَجَرًا كَانَ يُسَلِّمُ عَلَيَّ فِي الْجَاهِلِيَّةِ إِنِّي لَأَعْرِفُهُ الْآنَ»
وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ قَوْلُهُ: {يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ} كَقَوْلِهِ: {جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ} وَلَا إِرَادَةَ لَهُ، قَالُوا: وَإِنَّمَا أُرِيدَ بِذَلِكَ أَنَّهُ مِنْ عِظَمِ أَمْرِ اللَّهِ يُرَى كَأَنَّهُ هَابِطٌ خَاشِعٌ مِنْ ذُلِّ خَشْيَةِ اللَّهِ، كَمَا قَالَ زَيْدُ الْخَيْلِ:
[البحر الطويل]
بِجَمْعٍ تَضِلُّ الْبُلْقُ فِي حَجَرَاتِهِ ... تَرَى الْأُكْمَ فِيهَا سُجَّدًا لِلْحَوَافِرِ
وَكَمَا قَالَ سُوَيْدُ بْنُ أَبِي كَاهِلٍ يَصِفُ عَدُوًّا لَهُ يُرِيدُ أَنَّهُ ذَلِيلٌ:
[البحر الرمل]
سَاجِدَ الْمَنْخَرِ لَا يَرْفَعُهُ ... خَاشِعَ الطَّرْفِ أَصَمَّ الْمُسْتَمَعَ
وَكَمَا قَالَ جَرِيرُ بْنُ عَطِيَّةَ:
[البحر الكامل]
لَمَّا أَتَى خَبَرُ الرَّسُولِ تَضَعْضَعَتْ ... سُورُ الْمَدِينَةِ وَالْجِبَالُ الْخُشَّعُ
وَقَالَ آخَرُونَ: مَعْنَى قَوْلِهِ: {يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ} أَيْ يُوجِبُ الْخَشْيَةَ لِغَيْرِهِ بِدَلَالَتِهِ عَلَى صَانِعِهِ كَمَا قِيلَ: نَاقَةٌ تَاجِرَةٌ: إِذَا كَانَتْ مِنْ نَجَابَتِهَا وَفَرَاهَتِهَا تَدْعُو النَّاسَ إِلَى الرَّغْبَةِ فِيهَا، كَمَا قَالَ جَرِيرُ بْنُ عَطِيَّةَ:
[البحر الطويل]
وَأَعْوَرُ مِنْ نَبْهَانَ أَمَّا نَهَارُهُ ... فَأَعْمَى وَأَمَّا لَيْلُهُ فَبَصِيرُ
فَجَعَلَ الصِّفَةَ لِلَّيْلِ وَالنَّهَارِ، وَهُوَ يُرِيدُ بِذَلِكَ صَاحِبَهُ النَّبْهَانِيَّ الَّذِي يَهْجُوهُ، مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ فِيهِمَا كَانَ مَا وَصَفَهُ بِهِ. وَهَذِهِ الْأَقْوَالُ وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ بَعِيدَاتِ الْمَعْنَى مِمَّا تَحْتَمِلُهُ الْآيَةُ مِنَ التَّأْوِيلِ، فَإِنَّ تَأْوِيلَ أَهْلِ التَّأْوِيلِ مِنْ عُلَمَاءِ سَلَفِ الْأُمَّةِ بِخِلَافِهَا؛ فَلِذَلِكَ لَمْ نَسْتَجِزْ صَرْفَ تَأْوِيلِ الْآيَةِ إِلَى مَعْنَى مِنْهَا.