دمعت عينه العوراء، فقام إليه عمر بن الخطاب، فقال: لوددت أني رثيت أخي زيدا بمثل ما رثيت به مالكا أخاك، فقال: يا أبا حفص، والله لو علمت أن أخي صار بحيث صار أخوك ما رثيته. فقال عمر: ما عزّاني أحد بمثل تعزيتك، وكان زيد بن الخطاب قتل شهيدا يوم اليمامة. وكان عمر يقول: إني لأهشّ للصبا لأنها تأتينا من ناحية زيد. ويروى عن عمر أنه قال: لو كنت أقول الشعر كما تقول لرثيت أخي كما رثيت أخاك. ويروى أن متمّما رثى زيدا، فلم يجد، فقال له عمر: لم ترث زيدا كما رثيت أخاك مالكا! فقال: لأنه والله يحركني لمالك ما لا يحركني لزيد، ومن طريف شعره:
لعمري وما دهري بتأبين هالك ... ولا جزع والمت يذهب بالفتى
لئن مالك خلّى عليّ مكانه ... لفي أسوة إن كنت باغية الأسا
كهول ومرد من بني عمّ مالك ... وأيفاع [1] صدق قد تمليتهم رضا
سقوا بالعقار الصرف حتى تتابعوا ... كدأب ثمود إذ رغا سقبهم ضحى [2]
إذا القوم قالوا من فتى لملمّة ... فما كلّهم يدعى ولكنه الفتى
ومثل هذا الشعر قول الهشليّ:
لو كان في الألف منا واحد فدعوا ... من فارس خالهم إنّه يعنونا
وأول هذا المعنى لطرفة:
إذا القوم قالوا من فتى خلت أنني ... عنيت فلم أكسل ولم أتبلّد
وقال متمم أيضا في كلمة له يرثي لها مالكا:
جميل المحيّا ضاحك عند ضيفه ... أغرّ جميع الرأي مشترك الرحل
وقور إذا القوم الكرام تقاولوا ... فحلّت حباهم واستطيروا من الجهل
(1) إيفاع صدق: واحدة يقع محركا وهو الغلام إذا شارف الاحتلام ولما يحلم وأضاف إلى الصدق لأنهم لازموه.
(2) إذا رغا شقيهم: كناية عن نزول العذاب بهم.