ولن يلبث التخشين [1] نفسا كريمة ... عريكتها أن يستمرّ مريرها [2]
وما النفس إلا نطفة [3] بقرارة ... إذا لم تكدّر كان صفوا غديرها [4]
فهذا كلام واضح وقول عذب، وكذلك قوله أيضا:
بني دارم [5] إن يفن عمري فقد مضى ... حياتي [6] لكم مّني ثناء مخلّد
بدأتم فأحسنتم فأثنيت جاهدا ... وإن عدتم أثنيت والعود أحمد
ومما يفضّل لتخلّصه من التكلّف وسلامته من التزيّد وبعده من الاستعانة قول أبي حيّة النميريّ:
رمتني وستر الله بيني وبينها ... عشيّة أرام [7] الكناس رميم
(قيل في ستر الله الإسلام وقيل فيه أنه الشيب وقيل ما حرّم الله عليهما) .
ألا ربّ يوم لوّ رمتني رميتها ... ولكنّ عهدي بالنّضال قديم
(يرى الناس أني قد سلوت [8] وإنني ... لمرميّ احناء [9] الضلوع سقيم)
(1) التخشين: مصدر خشن صدره إذا وغره والعريكة بفتح العين النفس.
(2) استمر مريرها: قويت شكيمتها واستحكمت ومعنى هذا أن أيغار الصدر لا يدع النفس الكريمة السهلة السلسه على حالها بل لا تلبث إلا أن تقوى وتشتد على من خاشنها وترجع عما كانت عليه من الصفاء.
(3) النطفة بالضم الماء الصافي قل أو كثر.
(4) الغدير: القطعة من الماء يغادرها السيل وفي ذلك ضرب مثل للنفس التي تكون صافية نقية، فإذا نالها مكروه وأصابها غضب وسخط تكدرت وتغيرت عما كانت عليه كالماء يكون صافيا ما دام ساكنا حتى إذا هيج تكدر وتغير.
(5) بني دارم: حي من تميم نسبوا إلى أبيهم دارم بن مالك بن حنظلة.
(6) يريد هنا مدة حياتي.
(7) الأرام: جمع رئم بالكسر وهو الظبي خالص البياض.
(8) السلو: موت الحب والتخلص منه.
(9) الاحناء: جمع حنو. ما أعوج من العمود وهو يقول: يرى الناس من حالي إني قد سلوت وذهب عني الحب وهم لا يعلمون بما في قلبي وما انطوت عليه جوانحي وابن السقيم حرص بالحب فيما بين الضلوع، يصف نفسه هنا بالتعير والتجلد وإن كانت نار الحب في قليه تتقد.