يصف لهم جور السلطان، وكان ذا لسان [1] غضب واحتجاج وصبر على المنازعة. فأتاه أبو الوازع فقال: يا نافع لقد أعطيت لسانا صارما وقلبا كليلا، فلوددت أن صرامة لسانك كان لقلبك وكلال قلبك كان للسانك أتحضّ على الحق وتقعد عنه، وتقبّح الباطل، وتقيم عليه؟ فقال: إلى أن تجمع من أصحابك من تنكى به عدوّك. فقال أبو الوازع:
لسانك لا تنكى [2] به القوم إنما ... تنال بكفّيك النجاة من الكرب
فجاهد أناسا حاربو الله واصطبر ... عسى الله أن يخزي غويّ بني حرب
ثم قال: والله لا ألومك ونفسي ألوم، ولأغدونّ غدوة لا انثني بعدها أبدا. ثم مضى فاشترى سيفا وأتى صيقلا كان يذمّ الخوارج، ويدلّ على عوراتهم فشاوره في السيف فحمده فقال: اشحذه، فشحذه حتى إذا رضيه حكّم. وخبط به الصيقل وحمل على الناس، فتهاربوا منه حتى أتى مقبرة بني يشكر فدفع عليه رجال حائط السترة فكرهت ذلك بنو يشكر خوفا أن تجعل الخوارج قبره مهاجرا. فلما رأى ذلك نافع وأصحابه جدّوا، وخرج في ذلك جماعة فكان ممن خرج عيسى بن فاتك الشاعر الخطّيّ من تيم اللات بن ثعلبة، ومقتله بعد خروج الأزارقة.
فمضى نافع وأصحابه من الحرورية قبل الاختلاف إلى مكة ليمنعوا الحرم من جيش مسلم بن عقبة، فلما صاروا إلى الزبير عرّفوه أنفسهم فأظهر لهم أنه على رأيهم حتى أتاهم مسلم بن عقبة وأهل الشام فدافعوهم إلى أن يأتي رأي يزيد بن معاوية ولم يبايعوا ابن الزبير. ثم تناظروا في ما بينهم فقالوا: ندخل إلى هذا الرجل فننظر ما عنده فإن قدّم أبا بكر وعمر وبرىء من عثمان وعليّ وكفّر أباه وطلحة بايعناه، وإن تكن الاخرى ظهر لنا ما عنده فتشاغلنا بما يجدي
(1) لسان غضب أي حاد نافذ.
(2) لا تنكىء: تثخن أعداءك بالجراح.