الناس، فذكر من هناك، وقال للناس: أمثل هؤلاء يغلبونكم على فيئكم؟ فلم يزل مقيما حتى فهمهم وأحكم أمره وقوّى أصحابه، وكثرت الفرسان في عسكره، وتتامّ إليه زهاء عشرين ألفا، ثم مضى يؤمّ سوق الأهواز، فاستخلف أخاه المعارك بن أبي صفرة على نهر تيري، وفي مقدمته المغيرة ابن المهلب حتى قاربهم المغيرة فناوشوه فانكشف عنه بعض أصحابه وثبت المغيرة بقيّة يومه وليلته يوقد النيران. ثم غاداهم القتال فإذا القوم قد أوقدوا النيران في ثقلة متاعهم وارتحلوا عن سوق الأهواز، فدخلها المغيرة وقد جاءت أوائل خيل المهلب، فأقام بسوق الأهواز وكتب بذلك إلى الحرث بن عبد الله بن أبي ربيعة كتابا يقول فيه: بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد، فإنا منذ خرجنا نؤمّ هذا العدوّ في نعم من الله متصلة علينا ونقمة من الله متتابعة عليهم، نقدم ويحجمون ونحلّ ويرتحلون، إلى أن حللنا سوق الأهواز والحمد لله ربّ العالمين، الذي من عنده النصر وهو العزيز الحكيم. فكتب إليه الحرث:
هنيئا لك أخا الأزد الشرف في الدنيا والذخر في الآخرة إن شاء الله. قال المهلب لأصحابه: ما أجفى أهل الحجاز، أما ترونه يعرف إسمي واسم أبي وكنيتي! وكان المهلب يبث الأحراس في الأمن كما يبثّهم في الخوف ويذكي العيون في الأمصار كما يذكيها في الصحاري، ويأمر أصحابه بالتحرز ويخوّفهم البيات، وإن بعد منهم العدوّ، ويقول: احذروا أن تكادوا كما تكيدون ولا تقولوا هزمنا وغلبنا، فإن القوم خائفون وجلون والضرورة تفتح باب الحيلة.
ثم قام فيهم خطيبا فقال: يا أيها الناس، إنكم قد عرفتم مذهب هؤلاء الخوارج، وأنهم إن قدروا عليكم فتنوكم في دينكم وسفكوا دماءكم، فقاتلوهم على ما قاتل عليه أولهم عليّ بن أبي طالب صلوات الله عليه، فقد لقيهم قبلكم الصابر المحتسب مسلم بن عبيس، والعجل المفرّط عثمان بن
عبيد الله، والمعصيّ المخالف حارثة بن بدر، فقتلوا جميعا وقتلوا فألقوهم بجدّ وحدّ فإنما هم مهنتكم وعبيدكم وعار عليكم ونقص في أحسابكم وأديانكم أن يغلبكم هؤلاء على فيئكم ويطؤا حريمكم. ثم سار يريدهم وهو بمناذر الصغرى، فوجّه عبيد الله بن بشير بن الماحوز رئيس الخوارج رجلا يقال له واقد مولى لال أبي صفرة من سبي الجاهلية في خمسين رجلا، فيهم صالح بن محراق إلى نهر تيرى وبها المعارك ابن أبي صفرة، فقتلوه. فنمى الخبر إلى المهلّب فوجّه ابنه المغيرة فدخل نهر تيرى وقد خرج وافد منها فاستنزله ودفنه وسكّن الناس واستخلف بها ورجع إلى أبيه. وقد حلّ بسولاف والخوارج بها، فواقعهم. وجعل على بني تميم الحريش بن هلال فخرج رجل من أصحاب المهلب يقال له عبد الرحمن الأسكاف، فجعل يحضّ الناس وهو على فرس له صفراء فجعل يأتي الميمنة والميسرة والقلب فيحضّ الناس ويهوّن أمر الخوارج، ويختال بين الصفّين، فقال رجل من الخوارج لأصحابه: يا معشر المهاجرين، هل لكم في فتكة فيها أريحيّة؟ فحمل جماعة منهم على الاسكاف فقاتلهم وحده فارسا. ثم كبا (1) به فرسه فقاتلهم راجلا قائما وباركا، ثم كثرت به الجراحات فذبّب بسيفه وجعل يحثوا التراب في وجوههم والمهلب غير حاضر ثم قتل رحمه الله. وحضر المهلب فأخبر، فقال للحريش وغطية العنبريّ: أسلمتما سيد أهل العسكر لم تعيناه ولم تستنقذاه حسدا له لأنه رجل من الموالي، ووبخهما.