ألم تعلمي يا دار بلجاء أنني ... إذا أجدبت أو كان خصبا جنابها
أحبّ بلاد الله ما بين مشرف ... إليّ وسلمى أن يصوب سحابها
بلاد بها عقّ الشباب تميمتي ... وأول أرض مس جلدي ترابها
فلم يزل عتّاب يأمره بالمسير إليه ليوجه إلى شبيب، وكتب إلى المهلّب بأن يرزق الجند، فرزق المهلّب أهل البصرة، وأبى أن يرزق أهل الكوفة.
فقال له عتاب: ما أنا ببارح حتى ترزق أهل الكوفة، فأبى، فجرت بينهما غلظة، فقال عتّاب: قد كان يبلغني أنك شجاع فرأيتك جبانا، وكان يبلغني إنك جواد فرأيتك بخيلا. فقال له المهلّب: يا ابن اللخناء! فقال له عتّاب:
لكنك معمّ مخول، فغضبت بكر بن وائل للمهلّب للحلف، ووثب ابن نعيم بن هبيرة بن أخي مصقلة على عتّاب فشتمه. وقد كان كارها للحلف، فلما رأى نصرة بكر بن وائل له سرّه الحلف واغتبط به ولم يزل يؤكده، فغضبت تميم البصرة لعتّاب، وغضبت أزد الكوفة للمهلّب. فلما رأى ذلك المغيرة بن المهلب، مشى بين أبيه وبين عتّاب، فقال لعتّاب: يا أبا ورقاء! أن الأمير يصير لك إلى كل ما تحب. وسأل أباه أن يرزق أهل الكوفة، فأجابه، فصلح الأمر، فكانت تميم قاطبة وعتّاب بن ورقاء يحمدون المغيرة بن المهلّب، وقال عتّاب: إني لأعرف فضله على أبيه. وقال رجل من الأزد من بني إياد بن سود:
ألا أبلغ بني ورقاء بني عنا ... فلولا أننا كنا غضابا
على الشيخ المهلّب إذ جفانا ... للاقت خيلكم منا ضرابا
وكان المهلّب يقول لبنيه: لا تبدؤهم بقتال حتى يبدؤكم فيبغوا عليكم، فإنهم إذا بغوا نصرتم عليهم. فشخص عتّاب بن ورقاء إلى الحجاج في سنة سبع وسبعين، فوجه إلى شبيب. فقتله شبيب، وأقام على حربهم. فلما
انقضى من مقامه ثمانية عشر شهرا اختلفوا، وكان سبب اختلافهم أن رجلا حدادا من الأزارقة كان يعمل نصالا مسمومة فيرمى بها أصحاب المهلّب، فرفع ذلك إلى المهلّب، فقال: أنا اكفيكموه إن شاء الله، فوجّه رجلا من أصحابه بكتاب وألف درهم إلى عسكر قطريّ فقال: ألق هذا الكتاب في عسكر قطريّ، واحذر على نفسك، وكان الحدّاد يقال له أبرى. فمضى الرسول، وكان في الكتاب: أما بعد، فإن نصالك قد وصلت إليّ، وقد وجهت إليك بألف درهم فاقبضها وزنا من هذه النصال. فوقع الكتاب والدراهم إلى قطريّ، فدعا بأبرى، فقال، ما هذا الكتاب قال لا أدري! قال: