ثم أقبل على القوم فقال: إنا والله ما نجمد عن الحق ولا تتدفّق في الباطل، وإنّ لنا لحقوقا تشغل فضول أموالنا، وما كلّ من أفلس من الصيارفة احتلنا لجبره، قوموا رحمكم الله. قال: فابتدر القوم الأبواب. قوله: فلم يفتلذك المال يقول: لم يقتطع منك. يقال: فلذ له من العطاء أي قطع له.
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر، حين قال الغلامان في القوم عتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، وأبو الحكم بن هشام، وأميّة بن خلف، وفلان وفلان، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هذه مكة ألقت اليكم أفلاذ كبدها. وقال أبو قحافة أعشى باهلة، يعني المنتشر بن وهب الباهليّ:
تكفيه فلذة كبد إن ألمّ بها ... من الشّواء ويكفي شربه الغمر [1]
قال عبد الله بن عمير: استعمل عتبة بن أبي سفيان رجلا من اله على الطائف فظلم رجلا من أزد شنوءة، فأتى الأزديّ عتبة فمثل بين يديه، فقال:
أمرت من كان مظلوما ليأتيكم ... فقد أتاكم غريب الدار مظلوم
ثم ذكر ظلامته، فقال له عتبة: إني أراك أعرابيا جافيا، والله ما أحسبك تدري كم تصلي في كل يوم وليلة. فقال: أرأيت إن أنبأتك ذلك، أتجعل لي عليك مسئلة؟ قال: نعم. فقال الأعرابي:
إنّ الصلاة أربع وأربع ... ثم ثلاث بعدهنّ أربع
ثم صلاة الفجر لا تضيّع فقال: صدقت فاسأل. فقال: كم فقار ظهرك؟ فقال: لا أدري. فقال:
أفتحكم بين الناس وأنت تجهل هذا من نفسك؟ قال: ردّوا عليه غنيمته.
الخير وصديقك الذي تتودد إليه لم يوجب عليك في مالك عطاء بسبب البخل، وما كل البخل مذموم ولا يقطع المال منك إلّا ما يجب عليك، وهنا يقصد منع المال عن مثل هذا لا يوجب بخلا مذموما يهجي به.
(1) الغمر: قدح صغير.