وجّه الحجاج البراء بن قبيصة إلى المهلّب يستحثه في مناجزة القوم وكتب إليه: إنك لتحب بقاءهم لتأكل بهم. فقال المهلّب لأصحابه: حرّكوهم، فخرج فرسان من أصحابه إليهم، فخرج إليهم من الخوارج جمع فاقتتلوا إلى الليل، فقال لهم الخوارج: أما تملّون؟ فقالوا: لا، حتى تملّوا. قالوا: فمن أنتم؟ قالوا تميم، قالت الخوارج: ونحن بنو تميم. فلما أمسوا افترقوا فلما كان الغد خرج عشرة من أصحاب المهلب، وخرج إليهم عشرة من الخوارج، فأحفر كل واحد منهم حفيرة وأثبت قدمه فيها، فكلّما قتل رجل جاء رجل من أصحابه فاجترّه ووقف مكانه حتى أعتموا فقال لهم الخوارج:
إرجعوا، فقالوا: بل ارجعوا أنتم، فقالوا: ويلكم من أنتم؟ فقالوا تميم! قالوا:
ونحن تميم. فرجع البراء بن قبيصة إلى الحجاج فقال له: مه [1] ؟ قال: رأيت قوما لا يعين عليهم إلا الله.
وكتب إليه المهلب اني منتظر بهم إحدى ثلاث موت ذريع [2] أو جوع مضرّ أو اختلاف من أهوائهم. وكان المهلب لا يتّكل في الحراسة على أحد بل كان يتولى ذلك بنفسه، ويستعين بولده وبمن يحلّ محلّهم في الثقة عنده، وقال أبو حرملة العبديّ يهجو المهلب:
عدمتك يا مهلّب من أمير ... أما تندى يمينك للفقير
بدولاب أضعت دماء قوم ... وطرت على مواشكة درور
فقال المهلب: ويحك! والله إني لأقيكم بنفسي وولدي، قال: جعلني الله فداء الأمير، فذاك الذي نكره منك، ما كلنا يحب الموت، قال: ويحك! وهل عنه محيص. قال: لا ولكنا نكره التعجيل وأنت تقدم عليه إقداما. قال
(1) مه: أصله ما للاستفهام فأبدل الألف هاء للوقف والسكت.
(2) موت ذريع: منتشر.