وفرسه يزلق، وتلقّاه مدرك بن المهلب في جماعة معه حتى ردّهم. فلما كان يوم النحر والمهلب على المنبر يخطب الناس إذا الشراة قد تألّبوا، فقال المهلب:
سبحان الله! أفي مثل هذا اليوم! يا مغيرة اكفنيهم. فخرج إليهم المغيرة بن المهلب وأمامه سعد بن نجد القردوسيّ، وكان سعد شجاعا متقدما في شجاعته، وكان المهلّب إذا ظنّ برجل أن نفسه قد أعجبته قال له: لو كنت سعد بن نجد القردوسيّ ما عدا (وقردوس من الأزد) . فخرج أمام المغيرة، وتبع المغيرة جماعة من فرسان المهلّب، فالتقوا وأمام الخوارج غلام جامع السلاح مديد القامة، كريه الوجه، شديد الحملة صحيح الفروسية. فأقبل يحمل على الناس وهو يقول:
نحن صبحناكم غداة النحر ... بالخيل أمثال الوشيج [1] تجري
فخرج إليه سعد بن نجد القردوسي من الأزد، ثم تجاولا ساعة فطعنه سعد فقتله. والتقى الناس فصرع يومئذ المغيرة، فحامى عليه سعد بن نجد وذبيان السختيانيّ وجماعة من الفرسان حتى ركب. وانكشف الناس عند سقطة المغيرة حتى صاروا إلى أبيه المهلّب، فقالوا: قتل المغيرة، ثم أتاه ذبيان السختياني، فأخبره بسلامته فأعتق كلّ مملوك كان بحضرته.
ووجه الحجاج الجرّاح بن عبد الله إلى المهلب يستبطئه في مناجزة القوم، وكتب إليه: أما بعد، فإنك جبيت الخراج بالعلل وتحصنت بالخنادق، وطاولت القوم، وأنت أعزّ ناصرا وأكثر عددا، وما أظن بك مع هذا معصية ولا جبنا ولكنك اتخذت أكلا وكان بقاؤهم أيسر عليك من قتالهم فناجزهم وإلا أنكرتني [2]
(1) الوشيح: شجر الرماح شبه الخيل به في القوة والصلابة.
(2) وإلا انكرتني: فعلت بك ما تنكره مني.