وقال عمران بن حطان:
يا عين بكّي لمرداس ومصرعه ... يا ربّ مرداس اجعلني كمرداس
تركتني هائما أبكي لمرزئتي ... في منزل موحش من بعد إيناس
أنكرت بعدك من قد كنت أعرفه ... ما الناس بعدك يا مرداس بالناس
إمّا شربت بكاس دار أوّلها ... على القرون فذاقوا جرعة الكاس
فكل من لم يذقها شارب عجلا ... منها بأنفاس ورد بعد أنفاس
ثم أن عبادا بن أخضر المازني، لبث دهرا في المصر محمودا موصوفا بما كان منه، فلم يزل على ذلك حتى ائتمر به جماعة، وقد أقبل على بغلة له وابنه رديفه. فقام إليه رجل منهم فقال: أسألك عن مسئلة قال: قل، قال:
أرأيت رجلا قتل رجلا بغير حق، وللقاتل جاه وقدر وناحية من السلطان، الوليّ ذلك المقتول أن يفتك به إن قدر عليه؟ قال: بل يرفعه إلى السلطان، قال: إن السلطان لا يعدي عليه لمكانه وعظيم جاهه عنده. قال: أخاف عليه أن فتك به فتك به السلطان. قال: دع ما تخافه من ناحية السلطان، أتلحقه تبعة فيما بينه وبين الله؟ قال: لا، قال: فحكّم هو وأصحابه وخبطوه بأسيافهم. ورمى عباد ابنه فنجا، وتنادى الناس قتل عبّاد. فاجتمع الناس فأخذوا أفواه الطرق، وكان مقتل عباد في سكة بني مازن عند مسجد بني كليب فجاء معبد بن أخضر أخو عبّاد وهو معبد بن علقمة وأخضر زوج أمّهما في جماعة من بني مازن، فصاحوا بالناس: دعونا وثأرنا. فأحجم الناس وتقدم المازنيّون فحاربوا الخوارج حتى قتلوهم جميعا لم يفلت منهم أحد إلّا عبيدة بن هلال فإنه خرق خصّا ونفذ منه: ففي ذلك يقول الفرزدق:
لقد أدرك الأوتار غير ذميمة ... إذا ذمّ طلّاب الترات الأخاضر [1]
(1) الأخاضر: جمع أخضر، الخالص النسب من العرب.