فهرس الكتاب

الصفحة 761 من 949

وكان مرداس بن حدير أبو بلال، وهو أحد بني ربيعة بن حنظلة تعظمه الخوارج، وكان مجتهدا كثير الصواب في لفظه فلقيه غيلان بن خرشة الضبّيّ فقال: يا أبا بلال إني سمعت الأمير البارحة عبيد الله بن زياد يذكر البلجاء وأحسبها ستؤخذ، فمضى إليها أبو بلال فقال لها: إن الله قد وسّع على المؤمنين في التقيّة [1] فاستتري فإن هذا المسرف على نفسه الجبار العنيد قد ذكرك، قالت: إن يأخذني فهو أشقى بي، فأما أنا فما أحبّ أن يعنّت [2]

إنسان بسببي. فوجه إليها عبيد الله بن زياد فأتى بها فقطع يديها ورجليها ورمى بها في السوق، فمر أبو بلال والناس مجتمعون فقال: ما هذا؟ فقالوا:

البلجاء، فعرّج إليها فنظر ثم عض على لحيته وقال لنفسه: لهذه أطيب نفسا عن بقية الدنيا منك يا مرداس. ثم أن عبيد الله تتبع الخوارج فحبسهم وحبس مرداسا. فرأى صاحب السجن شدة اجتهاده وحلاوة منطقه، فقال له: إين أرى لك مذهبا حسنا وإني لأحبّ أن أوليك معروفا، أفرأيت إن تركتك تنصرف ليلا إلى بيتك أتدّلج [3] إليّ؟ قال: نعم. فكان يفعل ذلك به. ولجّ عبيد الله في حبس الخوارج، وقتلهم فكلّم في بعض الخوارج، فلجّ وأبى وقال: أقمع النفاق قبل أن ينجم. لكلام هؤلاء أسرع إلى القلوب من النار إلى اليراع.

فلما كان ذات يوم قتل رجل من الخوارج رجلا من الشرط. فقال ابن زياد: ما أدري ما أصنع بهؤلاء! كلّما أمرت رجلا بقتل رجل منهم فتكوا بقاتله، لأقتلنّ من في حبسي منهم. فأخرج السّجان مرداسا إلى منزله كما كان يفعل وأتى مرداسا الخبر فلما كان السحر تهيأ للرجوع. فقال له أهله: إتق الله في نفسك فإنك إن رجعت قتلت! فقال: إني ما كنت لألقى الله غادرا، فرجع إلى السجان فقال: إني قد علمت ما عزم عليه صاحبك فقال: أعلمت ورجعت؟!

(1) التقية: الخفية.

(2) أن يعنت: أن يدخل عليه الضرر.

(3) اتدلج: بالتشديد: أتسير في الليل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت