الأصمعيّ يثبّته ويقول: لم يكن مجنونا، إنما كانت به لوثة كلوثة أبي حيّة النميريّ وهو من أشعر الناس ومن شعره):
ولم أر ليلى بعد موقف ساعة ... ببطن منى [1] ترمي جمار المحصّب [2]
ويبدي الحصا منها إذا قذفت به ... من البرد أطراف البنان المخضّب
فأصبحت من ليلى الغداة كناظر ... مع الصبح في أعقاب نجم مغرّب
ألا إنما غادرت يا أمّ مالك ... صدى [3] أينما تذهب به الريح يذهب
هذا البيت من أعجب ما قيل في النحافة، ومما يستظرف في هذا الباب قول عمر بن أبي ربيعة:
رأت رجلا أمّا إذا الشمس عارضت [4] ... فيضحى [5] وأمّا بالعشيّ فيخصر
أخا سفر جوّاب أرض تقاذفت ... به فلوات فهو أشعث أغبر
قليلا على ظهر المطيّة ظلّه ... سوى ما نفى عنه الرداء المحبّر
ومن هذا الباب قول القائل هو قيس بن معاذ مجنون بني عامر الذي تقدم ذكره لابن الأبرش):
فأصبحت في أقصى البيوت يعدنني ... بقيّة ما أبقين نصلا يمانيا
(بقية بدل من الياء في يعدنني بدل الاشتمال:
تجمّعن من شتّى ثلاث وأربع ... وواحدة حتى كملن ثمانيا)
(1) بطن مني: جوفه.
(2) المحصب: كمعظم الشعب الذي مخرجه إلى الابطح يريد أنه رأى ليلى في هذا الموضع ترمي الجمار ولم يرها بعد.
(3) الصدي: الرجل النحيف الجسم.
(4) عارضت: أضحت في عروض من الطريق. أي صبت حرارتها فأذت.
(5) فيضحى أي تصيبه حرارة الشمس فتؤذيه.