وما هجرتك النفس يا ميّ إنها ... قلتك ولا أن قلّ منك نصيبها
ولكنّهم يا أملح الناس أولعوا ... بقول إذا ما جئت هذا حبيبها
إنها في موضع نصب، وكان التقدير لأنها، فلما حذفت اللام وصل الفعل فعمل. تقول جئتك أنك تحبّ الخير فمعناه لأنك، وكذلك أتيتك أن تأمر لي بشيء، أي لأن وتقديره في النصب أنّ، أن الخفيفة والفعل مصدر نحو: أريد أن تقوم يا فتى، أي قيامك، وأنّ الثقيلة واسمها وخبرها مصدر، تقول: بلغني أنك منطلق، أي انطلاقك فإذا قلت: جئتك أنك تريد الخير فمعناه: إرادتك الخير أي مجيئي لأنك تريد الخير إرادة يا فتى، كما قال الشاعر (هو حاتم الطائيّ) :
وأغفر عوراء [1] الكريم ادّخاره ... وأعرض عن ذمّ اللئيم تكرّما
قوله: وأغفر عوراء الكريم ادخاره: أي ادّخره ادّخارا، وأضافه إليه، كما تقول: ادّخارا له. وكذلك قوله: تكرما إنما أراد لتكرّم: فأخرجه مخرج أتكرّم تكرّما. وأنشدني أبو العالية (قيل إن الشعر لعروة بن أذينة) :
ما زلت أبغي الحيّ أتبع ظلّهم ... حتى دفعت إلى ربيب هودج [2]
قالت وعيش أبي وأكبر إخوتي ... لأنبّهنّ الحيّ إن لم تخرج
فخرجت خيفة قولها فتبسّمت ... فعلمت أنّ يمينها لم تحرج
فلثمت فاها اخذا بقرونها ... شرب النزيف ببرد ماء الحشرج
وزاد فيها الجاحظ عمرو بن بحر:
وتناولت رأسي لتعرف مسّه ... بمخضّب الأطراف غير مشنّج [3]
تقول العرب: هودج، وبنو سعد بن زيد مناة ومن وليهم يقولون: فودج.
وقوله: فعلمت أن يمينها لم تخرج يقول: لم تضق عليها. يقال: حرج يحرج إذا دخل في مضيق. والحرجة الشجر الملتفّ المتضايق ما بينه.
قال الله عزّ وجل: {فَلََا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ} [4] وقال تعالى:
{يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا} [5] وقرىء حرجا، فمن قال حرجا أراد التوكيد للضيّق كأنه قال: ضيّق شديد الضيق، ومن قال: حرجا جعله مصدرا، مثل قولك: ضيّق ضيقا. وقوله: ببرد ماء الحشرج فهو الماء الجاري على الحجارة. وقال قيس بن معاذ أحد بني عقيل بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة وهو المجنون. وحدثني عبد الصمد بن المعذّل قال: سمعت
(1) عوراء: الكلمة القبيحة.
(2) ربيبة هودج يريد أنها مربوبة في البيت منعمة.
(3) مشنج: مأخوذ في الشنج بالتحريك وهو يفيض في الجلد وانكماش.
(4) سورة الأعراف: الاية رقم 2.
(5) سورة الأنعام: الاية 125.