الدنيا يهبها لكم في الآخرة. فلما أصبحوا غادو المهلب فقاتلوه قتالا شديدا نسي به ما كان قبله، فقال رجل من الأزد من أصحاب المهلّب: من يبايعني على الموت؟ فبايعه أربعون رجلا من الأزد وغيرهم، فصرع بعضهم، وقتل بعض، وجرح. وقال عبد الله بن رزام الحارثي لأصحاب المهلّب: إحملوا! فقال المهلّب: أعرابيّ مجنون، وكان من أهل نجران، فحمل وحده فاخترق القوم حتى نجم من ناحية أخرى، ثم رجع ثم كرّ ثانية ففعل فعلته الأولى، وتهايج الناس فترجّلت الخوارج وعقروا دوابهم، فناداهم عمرو القنا، ولم يترجل هو وأصحابه من العرب، وكانوا زهاء أربعمائة: موتوا على ظهور دوابكم ولا تعقروها، فقالوا: أنا إذا كنّا على الدواب ذكرنا الفرار. فاقتتلوا، ونادى المهلب بأصحابه: الأرض الأرض! وقال لبنيه: تفرقوا في الناس ليروا وجوهكم، ونادى الخوارج ألا أن العيال لمن غلب، فصبر بنو المهلب وصبر يزيد بين يدي أبيه، وقاتل قتالا شديدا أبلى فيه، فقال له أبو: يا بنيّ، أني أرى موطنا لا ينجو فيه إلّا من صبر وما مرّ بي يوم مثل هذا منذ مارست الحروب. وكسرت الخوارج أجفان سيوفها وتجاولوا، فأجلت جولتهم عن عبد ربه مقتولا، فهرب عمرو القنا وأصحابه، واستأمن قوم، وأجلت الحرب عن أربعة الاف قتيل وجرحى كثير من الخوارج، فأمر المهلّب بأن يدفع كلّ جريح إلى عشيرته، وظفر بعسكرهم فحوى ما فيه، ثم انصرف إلى جيرفت. فقال:
الحمد لله الذي ردنا إلى الخفض والدعة، فما كان عيشنا بعيش، ثم نظر إلى قوم في عسكره لم يعرفهم فقال ما أشد عادة السلاح، ناولوني درعي.
فلبسها، ثم قال: خذوا هؤلاء! فلما صير بهم إليه قال: ما أنتم؟ قالوا: نحن قوم جئنا لنطلب غرّتك لنفتك بك، فأمر بهم، فقتلوا.
ووجه المهلّب كعب بن معدان الأشقريّ ومرّة بن تليد الأزديّ من أزد شنوءة فوفد على الحجاج، فلما طلعا عليه تقدم كعب فأنشده:
يا حفص إني عداني عنكم السفر ... (وقد سهرت فأردى نومي السهر)
فقال له الحجاج: أشاعر أم خطيب؟ قال: كلاهما. ثم أنشده القصيدة، ثم أقبل عليه فقال له: أخبرني عن بني المهلّب قال: المغيرة فارسهم وسيدهم، وكفى يزيد فارسا شجاعا وجوادهم، وسخيّهم قبيصة ولا يستحي الشجاع أن يفر من مدرك، وعبد الملك سمّ ناقع، وحبيب موت زعاف، ومحمد ليث غاب، ونفاك بالمفضل نجدة، قال: فكيف كان بنو المهلّب فيكم؟ قال: كانوا حماة السرح نهارا، فإذا أليلوا ففرسان البيات، قال: فأيّهم كان أنجد؟ قال: كانوا كالحلقة المفرغة لا يدرى أين طرفها، قال: فكيف كنتم أنتم وعدوّكم؟ قال: كنا أذا أخذنا عفونا، وإذا أخذوا يئسنا منهم، وإذا اجتهدوا واجتهدنا طمعنا فيهم، فقال الحجاج: إن العاقبة للمتقين كيف أفلتكم قطريّ؟ قال: كدناه ببعض ما كادنا به فصرنا منه إلى الذي نحب، قال: فهلا اتبعتموه؟ قال كان الحدّ عندنا اثر من الفلّ، قال: فكيف كان لكم المهلّب وكنتم له؟ قال: كان لنا منه شفقة الوالد وله منا برّ الولد، قال: فكيف اغتباط الناس؟ قال: فشافيهم الأمن وشملهم النفل، قال: أكنت أعددت لي هذا الجواب؟ قال: لا يعلم الغيب إلا الله، قال: فقال هكذا تكون، والله الرجال، المهلب كان أعلم بك حيث وجّهك. وكان كتاب المهلّب إلى الحجاج: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله الكافي بالإسلام فقدما سواه الذي حكم بأن لا ينقطع المزيد منه حتى ينقطع الشكر من عباده أما بعد، فقد كان من أمرنا ما قد بلغك وكنا نحن وعدوّنا على حالين مختلفين، يسرّنا منهم أكثر مما يسوءنا، ويسوؤهم منا أكثر مما يسرهم على اشتداد شوكتهم، فقد كان علن أمرهم حتى ارتاعت له الفتاة ونوّم به الرضيع فانتهزت منهم الفرصة في وقت إمكانها، وأدنيت السواد حتى تعارفت الوجوه، فلم نزل كذلك حتى بلغ الكتاب أجله فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين.