وأطفأت نيران المزون وأهلها ... وقد حاولوها فتنة أن تسعّرا
وحمل يومئذ الحريش بن هلال على قيس الإكاف، وكان قيس من أنجد فرسان الخوارج، فطعنه فدقّ صلبه وقال:
قيس الإكاف غداة الروع يعلمني [1] ... ثبت المقام إذا لاقيت أقراني
وقد كان فلّ المهلب يوم سلّى وسليرى صاروا إلى البصرة، فذكروا أن المهلب أصيب، فهمّ أهل البصرة بالنقلة إلى البادية حتى ورد كتابه بظفره، فأقام الناس وتراجع من كان ذهب منهم، فعند ذلك يقول الأحنف بن قيس:
البصرة بصرة المهلب. وقدم رجل من كندة يقال له فلان بن أرقم، فنعى ابن عم له وقال: رأيت رجلا من الخوارج وقد مكّن رمحه من صلبه فقدم المنعيّ، فقيل له ذلك فقال: صدق ابن أرقم لما أحسست برمحه بين كتفيّ صحت، البقيّة. فرفعه عني وتلا: بقيّة الله خير لكم إن كنتم مؤمنين. ووجّه المهلب بعقب هذه الوقعة رجلا من الأزد برأس عبيد الله بن بشير بن الماحوز إلى الحرث بن أبي ربيعة القباع. فلما صار بكريج دينار لقيه حبيب وعبد الملك وعليّ بنو بشير بن الماحوز فقالوا له: ما الخبر؟ ولا يعرفهم، فقال: قتل الله المارق ابن الماحوز، وهذا رأسه معي، فوثبوا عليه فقتلوه وصلبوه ودفنوا الرأس. فلما ولي الحجاج دخل عليه عليّ بن بشير، وكان وسيما جسيما، فقال: من هذا؟ فخبّر، فقتله ووهب ابنه الأزهر وابنته لأهل الأزديّ المقتول.
وكانت زينب بنت بشير لهم مواصلة فوهبوهما لها. فلم يزل المهلب يقاتل الخوارج في ولاية الحرث بن القباع حتى عزل الحرث وولّي مصعب بن الزبير، فكتب إليه أن أقدم عليّ واستخلف ابنك المغيرة، ففعل، فجمع الناس فقال لهم: إني قد استخلفت عليكم المغيرة وهو أبو صغيركم رقّة ورحمة، وابن كبيركم طاعة وبرّا وتبجيلا وأخو مثله مواساة ومناصحة، فلتحسن
(1) يعلمني: ثبت المقام يقول إني شجاع ثابت في مكاني عند لقاء أقراني.