وقال اخر أيضا:
اصبر على القدر المجلوب وارض به ... وإن أتاك بما لا تشتهي القدر
(فما صفا لامرىء عيش يسرّ به ... ألا سيتبع يوما صفوه كدر)
وكان خالد بن صفوان يدخل على بلال بن أبي بردة يحدّثه، فيلحن.
فلما كثر ذلك على بلال قال له: أتحدثني أحاديث الخلفاء، وتلحن لحن السقّاات [1] ؟ قال التوّزيّ: فكان خالد بن صفوان بعد ذلك يأتي المسجد ويتعّلم الإعراب، وكفّ بصره، فكان إذا مرّ به موكب بلال يقول: ما هذا؟ فيقال له الأمير. فيقول خالد: سحابة صيف عن قليل تقشّع. فقيل ذلك لبلال، فأجلس معه من يأتيه بخبره، ثم مرّ به بلال. فقال خالد: كما كان يقول، فقيل ذلك لبلال، فأقبل على خالد. فقال: لا تقشّع والله حتى تصيبك منها بشؤبوب، برد، فضربه مائتي سوط. وقال بعضهم: بل أمر به فديس بطنه. قوله بشؤبوب، مهموز وهو الدفعة من المطر بشدة، وجمعه شابيب. قال النابغة يخاطب القبيلة:
ولا تلاقي كما لاقت بنو أسد ... فقد أصابتهم منها بشؤبوب
يريد ما نال بني أسد من غارة النعمان عليهم، وضرب الشؤبوب مثلا للغارة، والغارة تضرب لذلك مثلا، كما يقال شنّ عليهم الغارة، أي صبها عليهم. قال ابن هرمة:
كم بازل قد وجأت لبّتها ... بمستهلّ الشؤبوب أو جمل
يريد ما وجأها به من حديد. يقول: لما وجأتها دفعت بشؤبوب من الدم.
فكأنه قال: بسنان مستهلّ الشؤبوب، أو ما أشبه ذلك. وكان خالد بن صفوان أحد من إذا عرض له القول، قال. فيقال إن سليمان بن عليّ سأله عن ابنيه
(1) السقاات: جمع سقاءة وهي المرأة التي تسقي الماء.