فالتفت إليه، فقال: كيف ترى؟ فقال: ما أرى بأسا. فقال حسان: أنظروا إلى الأعرابي يقول: ما أرى بأسا، أبو من؟ قال: أبو مليكة. قال حسان: ما كنت عليّ أهون منك حيث اكتنيت بامرأة، ما اسمك؟ قال: الحطيئة.
قال: امض بسلام وكان الحطيئة في حبس عمر بن الخطاب رحمه الله باستدعاء الزبرقان عليه في هذه القصة، ولعمر يقول:
ماذا تقول لإفراخ بذي مرخ [1] ... حمر الحواصل [2] لا ماء ولا شجر
ألقيت كاسبهم في قعر مظلمة ... فاغفر عليك سلام الله يا عمر
أنت الإمام الذي من بعد صاحبه ... ألقت إليك مقاليد النهى البشر
ما اثروك بها إذا قدّموك لها ... لكن بك استأثروا إذ كانت الأثر
ويروى عن أبي زيد الأنصاري أنه قال: ويروى الإثر والواحدة أثرة وإثرة ومعناه الاستئثار، فرقّ له عمر فأخرجه، فيروى أن رحمه الله دعا بكرسيّ فجلس عليه، ودعا بالحطيئة فأجلسه بين يديه، ودعا بإشفى وشفرة يوهمه أنه على قطع لسانه حتى ضجّ من ذاك، فكان في ما قال له الحطيئة: يا أمير المؤمنين إني والله قد هجوت أبي وأمي وهجوت امرأتي، وهجوت نفسي فتبسّم عمر رحمه الله ثم قال: فما الذي قلت؟ قال: قلت لأبي وأمي والمخاطبة للأم:
ولقد رأيتك في النساء فسؤتني ... وأبا بنيك فساءني في المجلس
وقلت لها:
تنحّى فاجلسي مني بعيدا ... أراح الله منك العالمينا
أغر بالا إذا استودعت سرّا ... وكانونا على المتحدّثينا
(1) ذي مرخ: واد بالحجاز.
(2) حمر الحواصل: كناية عن شدة الجوع والمسغبة.