وقد ذكرنا في قصر الممدود من أن مدّ المقصور لا يجوز ما يغني عن إعادته. وتذكر فيروز حصين لما مر من ذكره، وكان فيروز حصين رجلا جيد البيت في العجم، كريم المحتد [1] مشهور الاباء. فلما أسلم والي حصينا، وهو حصين بن عبد الله العنبريّ من بني العنبر بن تميم بن مرّ. ثم من ولد طريف بن تميم، وكان فيروز حصين شجاعا جوادا نبيل الصّورة [2] ، جهير الصوت.
وتروي الرواة أن رجلا من العرب كانت أمه فتاة، فقاول بني عم له، بالجميّة. ومرّ فيروز حصين فقال: هذا خالي فمن منكم له خال مثله؟ وظن أن فيروز لم يسمعها، وسمعها فيروز، فلما صار إلى منزله بعث إلى الفتى فاشترى له منزلا وجارية، ووهب له عشرة الاف درهم. ومن ماثره المعروفة أن الحجاج لما واقف ابن الأشعث برستقاباذ نادى منادي الحجاج: من أتى برأس فيروز فله عشرة الاف درهم. ففصل فيروز من الصف، فصاح بالناس:
من عرفني فقد اكتفى ومن لم يعرفني فأنا فيروز حصين، وقد عرفتم مالي ووفائي، من أتى برأس الحجاج فله مائة ألف. فقال الحجاج: والله لقد تركني أكثر التلفّت، وإني لبين خاصتي. فأتي به الحجاج فقال له: أأنت الجاعل في رأس أميرك مائة ألف؟ قال: قد فعلت، قال: والله لأمهدنّك [3] ثم لأحملنك! أين أين المال؟ قال: عندي فهل إلى الحياة من سبيل؟ قال: لا.
قال: فأخرجني إلى الناس حتى أجمع لك المال فلعلّ قلبك يرقّ عليّ. ففعل الحجاج. فخرج فيروز فأحلّ الناس من ودائعه، وأعتق رقيقه، وتصدّق بماله ثم ردّ إلى الحجاج، فقال: شأنك الان فاصنع ما شئت. فشدّ في القصب
(1) المحتد: كمجلس الأصل.
(2) نبيل الصورة: حسن الصورة.
(3) لأمهدنك: كأنه يريد لاحرمنك على المهاد وهو الأرض.